
مشاهدات من انطلاق الحوار السوداني–السوداني.. من قاعة السلام روتانا إلى أسئلة المستقبل
قبل وقت قصير من انطلاق المؤتمر، بدت الأجواء خارج فندق السلام روتانا بالعاصمة السودانية الخرطوم تضج بحركة القادمين لحضور الظهور الأول للجنة التيسيرية للحوار السوداني–السوداني، في مشهد عكس أهمية الحدث وتطلعات كثيرين إلى أن يفضي المسار الجديد إلى توافق ينهي الحرب ويفتح الطريق أمام السلام.
وفي بهو الفندق، كان المكان يعج بحركة غير معتادة. صحفيون يحملون كاميراتهم ودفاتر ملاحظاتهم، وشخصيات سياسية ومدنية تتبادل التحايا والأحاديث القصيرة، فيما كان السؤال الأكثر تداولاً يدور حول ما سيخرج به هذا اللقاء.
داخل القاعة، اكتملت الترتيبات على المنصة التي جلس عليها أعضاء اللجنة التيسيرية للحوار السوداني–السوداني، بينما توزعت عدسات الكاميرات في مواجهة المتحدثين. ومع امتلاء المقاعد تدريجياً، حتى اضطر بعض الحضور إلى الوقوف، بدا واضحاً أن الحدث يحظى باهتمام إعلامي وسياسي كبير.
وقبل بداية الحديث، سادت القاعة دقائق من الترقب، قطعتها حركة المصورين وتبادل التحايا بين الحضور، قبل أن يبدأ مقدم الجلسة، سليمان الأمين، كلمته معلناً انطلاق المؤتمر، لتتحول القاعة سريعاً من مساحة للأحاديث الجانبية إلى مساحة للإنصات.

قرابة ساعتين من الأسئلة والنقاش
استغرق المؤتمر الصحفي قرابة ساعتين، توالت خلالها الكلمات والردود على أسئلة الصحفيين، في وقت حاول فيه أعضاء اللجنة شرح طبيعة المهمة التي يتصدون لها وحدود دورهم في المرحلة الحالية.
ومن على المنصة، بدأ المتحدثون في تقديم رؤيتهم لمسار الحوار، مؤكدين أن السودان بحاجة إلى مساحة واسعة للنقاش بين أبنائه، وأن المرحلة المقبلة تتطلب الاستماع إلى مختلف الرؤى دون إقصاء.
بيان المبادرة.. الحوار من الداخل
واستهل عضو اللجنة سليمان الأمين المؤتمر بتقديم بيان مبادرة التهيئة للحوار السوداني–السوداني، الذي أكد أن المبادرة جاءت في ظل «المحنة القاسية» التي يعيشها السودانيون بسبب الحرب وما خلّفته من فقد للأرواح وانتهاكات للكرامة الإنسانية، إلى جانب النزوح واللجوء وتدهور الخدمات وفقدان الأمن وتدمير البنى التحتية والممتلكات العامة والخاصة.
وأكد البيان أن المبادرة تهدف إلى تهيئة شروط الحوار السوداني–السوداني وتيسير المشاورات الأولية حوله، انطلاقاً من قناعة بأن إنهاء الحرب وإعادة بناء الدولة ينبغي أن يتمّا على أسس وطنية يتوافق عليها السودانيون أنفسهم.
وأوضحت اللجنة أن دورها ينحصر في التهيئة والتيسير والتشاور وبناء الثقة بين الأطراف، وليس إدارة الحوار أو فرض أجندة أو تحديد أطرافه ومخرجاته.
وشددت على أن التوافق الوطني لا يتحقق بالإقصاء أو بفرض حوار جاهز، وإنما بالاستماع والتشاور وبناء الحد الأدنى من الثقة حول شروط الحوار ومنهجه وضماناته.
«لا أجندة ولا شروط»

ومع توالي الكلمات، برز حديث المهندس عثمان ميرغني، الناطق الرسمي باسم اللجنة، الذي أكد أن مهمة اللجنة في المرحلة الحالية تتمثل في التمهيد للحوار وتهيئة الظروف اللازمة لانطلاقه، وليس تحديد تفاصيله قبل التشاور مع القوى السودانية المختلفة.
وقال ميرغني إن اللجنة ستبدأ عقب المؤتمر سلسلة من الاتصالات واللقاءات المباشرة مع القوى السياسية والمجتمعية ومنظمات المجتمع المدني، داخل السودان وخارجه، بهدف الوصول إلى أرضية مشتركة حول مبدأ الحوار وشكله ومساره.
وأكد أن اللجنة لا تريد تقديم تصور «معلّب» أو مسبق للحوار، موضحاً أن أطرافه وأجندته وآلياته ومدته ومخرجاته ستظل رهناً بما ستسفر عنه المشاورات.
وأضاف أن مهمة اللجنة تتمثل في تقريب وجهات النظر وتهيئة المناخ للحوار، مشدداً على أن إرادة الأطراف السودانية هي التي ستحدد أجندته ومساره.
ووصف مهمة اللجنة بأنها صعبة، «لكنها ليست مستحيلة»، مؤكداً أن نجاحها يتطلب إرادة تتجاوز أعضاء اللجنة إلى إرادة الشعب السوداني والقوى السياسية والمجتمعية الراغبة في الوصول إلى السلام والاستقرار.
وشدد على أن الحوار لا يستهدف المحاصصات أو تقسيم السلطة، وإنما الوصول إلى توافق وطني يعالج الأزمة الراهنة ويضع السودان على طريق الاستقرار وإعادة البناء، وصولاً إلى انتخابات حرة ونزيهة يختار عبرها الشعب من يمثله.
تمويل سوداني وحلول وطنية

من جانبه، أكد عضو اللجنة إبراهيم أحمد إبراهيم أن معالجة الأزمة السودانية لا يمكن أن تتم إلا عبر السودانيين أنفسهم، داعياً إلى استعادة الثقة والاعتماد على الحلول الوطنية.
وقال إن تمويل أنشطة اللجنة سيكون بأموال سودانية خالصة، نافياً وجود تمويل خارجي أو دعم من منظمات أجنبية، ومؤكداً أن اللجنة لا تحمل أجندة سوى الوصول إلى توافق وطني يجتمع حوله السودانيون.
وأشار إلى أن أبواب اللجنة ستظل مفتوحة لتلقي المقترحات والآراء، وأن تشكيلها سيشهد توسعاً خلال المرحلة المقبلة بما يضمن مشاركة المرأة والشباب والقطاع الخاص ومختلف القطاعات المجتمعية وتمثيل أقاليم السودان.
شرعية تستمد من القبول

وفي حديث آخر، أكد عضو اللجنة محمد المنير أحمد أن اللجنة لا تدّعي امتلاك تفويض رسمي صادر عن أي جهة، موضحاً أن مدى قبول السودانيين لها وقدرتها على إنجاز المهمة التي التزمت بها سيكونان أساساً لاستمرار عملها.
وقال إن الاختبار الحقيقي للجنة يتمثل في قدرتها على أن تكون فاعلة ومفيدة في تهيئة الظروف للحوار والوفاء بالأهداف التي أعلنتها.
أما البروفيسور أوشيك أبو عائشة، فأكد أن المبادرة جاءت بمحض إرادة وتطوع أعضائها، ولا تتبع لأي دولة أو حزب أو تكتل سياسي أو محور.
وقال إن المبادرة سودانية مستقلة يقودها أبناء وبنات السودان الذين يستشعرون خطورة المرحلة، مؤكداً أن الحوار ينبغي أن يكون مفتوحاً للجميع دون تمييز أو إقصاء.
ضمانات للحوار
ومن أبرز القضايا التي طرحت خلال المؤتمر، مسألة الضمانات المطلوبة لانعقاد الحوار داخل السودان.
وطالبت اللجنة بتوفير ضمانات واضحة ومكتوبة وقابلة للتحقق، تشمل وقف البلاغات المقيدة بواسطة أجهزة الدولة ضد السودانيين المقيمين بالخارج بسبب نشاطهم في المشاورات أو الحوار أو بسبب آرائهم السياسية.
كما دعت إلى منح المشاركين في المشاورات والحوار حصانة إجرائية مؤقتة، ومنع اتخاذ إجراءات جنائية ضدهم بسبب الآراء التي تُطرح في إطار المشاورات والحوار، إلى جانب تهيئة مناخ عام من الحريات، وحماية مقار وقاعات الحوار، ومنع استخدام سلطة الدولة للتأثير على مخرجاته.
وأكدت اللجنة أن دور الدولة ينبغي أن يقتصر على توفير الضمانات والتسهيلات والحماية، بما يحفظ استقلالية الحوار وملكيته للسودانيين، دون التدخل في تحديد أطرافه أو أجندته أو نتائجه.
دعم دولي بلا وصاية
وخاطبت المبادرة المجتمع الدولي والدول الشقيقة والصديقة والمنظمات الإقليمية والدولية، داعية إلى دعم جهود التهيئة والتشاور وبناء الثقة، مع احترام الإرادة السودانية وعدم التدخل في مجريات الحوار أو مخرجاته.
وأكد المتحدثون أن الدور المطلوب من المجتمع الدولي يتمثل في التشجيع والدعم والمساندة، بما يحفظ استقلالية الحوار وملكية السودانيين لمخرجاته.
أصوات من خارج المنصة

ولم تقتصر أصداء المؤتمر على ما قيل فوق المنصة، إذ حملت الإفادات التي حصلت عليها شارع النيل نيوز رؤى متباينة حول المبادرة، بين من يرى فيها فرصة تستحق الدعم، ومن يعتقد أن الطريق أمامها لا يزال يحتاج إلى إجابات واضحة.
وقال رئيس المكتب التنفيذي لـ«التيار الوطني»، نور الدين صلاح الدين،” لـ شارع النيل نيوز ” إن خروج السودان من أزمته الراهنة وإيقاف الحرب لن يتأتى إلا عبر جلوس السودانيين مع بعضهم البعض دون شروط مسبقة أو استثناءات، للوصول إلى نظام دستوري مستقر وأكبر توافق وطني ممكن.
وأوضح أن اللجنة المعنية بالحوار تضطلع في المرحلة الحالية بمهمة تهيئة الأجواء للعملية الحوارية، وليس إدارتها بصورة مباشرة، داعياً القوى والمكونات السياسية، بمختلف مواقفها، إلى التواصل مع اللجنة وتقديم مقترحاتها وتحفظاتها للوصول إلى نتائج ملموسة.
وشدد على ضرورة فصل المسار السياسي المدني عن المسار العسكري و«وقعقعة السلاح»، معتبراً أن القوى المدنية، بمختلف توجهاتها وأطيافها، مطالبة بالجلوس والتوافق حول مستقبل البلاد.
وفي إفادة أخرى لـ”شارع النيل نيوز” وصف الأمين العام لاتحاد الصحفيين السودانيين، محمد الفاتح، المبادرة بأنها «بادرة طيبة»، معتبراً أن أهميتها تنبع من كونها محاولة لتجسير الهوة بين القوى السياسية.

وقال إن السودان يواجه مخاطر وتحديات وأطماعاً إقليمية ودولية، داعياً القوى السياسية إلى وضع مصلحة السودان فوق الخلافات والمحاصصات والنظرة الحزبية الضيقة.
وأضاف أن المهمة «صعبة جداً»، لكنها ليست مستحيلة، معرباً عن اعتقاده بأن استقلالية المجموعة القائمة على المبادرة وقيام الحوار السوداني–السوداني من داخل البلاد قد يساعدان في تقريب وجهات النظر بين القوى المختلفة.
تحفظات وأسئلة معلقة
في المقابل، قدم الكاتب الصحفي ورئيس تحرير صحيفة «مصادر»، عبد الماجد عبد الحميد، رؤية أكثر تحفظاً تجاه المبادرة، قائلاً إن انطباعه الأول عن المؤتمر يتمثل في أنه «طرح أسئلة أكثر مما قدم من إجابات».
واعتبر عبد الحميد أن اللجنة تواجه تحديات كبيرة، في ظل ما وصفه بغياب رؤية كلية تحدد مسارات الحوار وكيفية بدايته والقضايا التي ستُطرح للنقاش بين القوى السياسية.
وأشار إلى أن الحوار مع قوى سياسية تمتلك مواقف حاسمة وتجارب متراكمة وخلافات عميقة، يتطلب وجود خريطة طريق وأسس موضوعية واضحة، إضافة إلى آليات قادرة على نقل قضايا المجتمع إلى طاولة الحوار.
كما رأى أن اختلاف الخلفيات والمدارس داخل اللجنة يفرض عليها، من وجهة نظره، الوصول أولاً إلى قدر من التجانس والرؤية المشتركة، محذراً من أن استمرار المبادرة دون تحديد واضح للقضايا والأولويات قد يعرّضها لخطر الانتهاء دون نتائج عملية.
وانتقد عبد الحميد الفصل بين المسار السياسي ومسار الحرب، معتبراً أن معالجة الأزمة تتطلب مخاطبة قضية الحرب نفسها وفتح مسارات للتواصل من أجل تجاوزها.
أسئلة القاعة وأسئلة المستقبل
ومع توالي الكلمات، بدأ الصحفيون في تدوين الملاحظات، بينما ركزت الأسئلة التي طُرحت من داخل القاعة على الجهات المشاركة في الحوار، والجدول الزمني، وطبيعة القضايا التي ستوضع على طاولة النقاش.
وكانت إجابات أعضاء اللجنة تعود في معظمها إلى فكرة مركزية مفادها أن هذه التفاصيل لم تُحسم بعد، وأن مهمة اللجنة في هذه المرحلة هي الوصول أولاً إلى توافق بين القوى السودانية على مبدأ الحوار نفسه.
وفي المشهد العام، لم يكن انعقاد المؤتمر في الخرطوم مجرد تفصيل مكاني، بل حمل رمزية خاصة؛ إذ يعود النقاش حول مستقبل البلاد إلى قلب العاصمة، وسط آمال بأن يتحول الحوار من منصة للحديث إلى مسار عملي يقود إلى توافقات حقيقية.
ومع اقتراب المؤتمر من نهايته، عادت الحركة إلى أروقة الفندق، لكن هذه المرة كانت الأحاديث تدور حول ما قيل على المنصة وما لم يُجب عنه المتحدثون.
وبين مغادرة الصحفيين لإرسال أخبارهم، وتجمع بعض الحضور في حلقات نقاش صغيرة، بقي السؤال الأكبر معلقاً:
هل تكون هذه الخطوة بداية طريق جديد للحوار بين السودانيين، أم أنها ستكون محطة أخرى في طريق طويل لا تزال ملامحه تنتظر أن يرسمها السودانيون أنفسهم؟



