تقارير

في َورشة نظمها مركز َوعي الإعلامي… خبراء وإعلاميون : معركة الوعي أخطر من الرصاص والشائعات تهدد تماسك المجتمع

ام درمان :شارع النيل نيوز

في ظل تصاعد تأثير منصات التواصل الاجتماعي وتحولها إلى ساحة مفتوحة للحروب النفسية وصناعة الأخبار المضللة، حذر خبراء وإعلاميون من تنامي خطر الشائعات على الأمن القومي والتماسك المجتمعي، مؤكدين أن “معركة الوعي” أصبحت واحدة من أخطر التحديات التي تواجه السودان خلال المرحلة الراهنة، في ظل تعقيدات الحرب والأوضاع السياسية والاقتصادية والإعلامية.

حماية الجبهة الداخلية :

وأكد المشاركون في ورشة “وسائل التواصل الاجتماعي وصناعة الشائعات”، التي نظمها مركز وعي الإعلامي، الاثنين، بمنتجع الراكوبة بمدينة أمدرمان، أن حماية الجبهة الداخلية لم تعد مسؤولية الأجهزة الرسمية وحدها، بل أصبحت معركة مشتركة تتطلب إعلاماً مهنياً واعياً ومجتمعاً قادراً على التمييز بين الحقيقة والتضليل.

 

وشهدت الورشة مشاركة واسعة من صحفيين وإعلاميين وباحثين ومهتمين بالشأن الأمني والإعلامي، حيث ناقشوا التأثير المتزايد للإعلام الرقمي في تشكيل الرأي العام، والتحديات التي فرضتها السرعة الهائلة لانتشار الشائعات عبر المنصات الإلكترونية، خاصة خلال فترات النزاعات والأزمات.

تحديات:

وقال مدير عام وزارة الثقافة والإعلام بولاية الخرطوم، الطيب سعد الدين، إن السودان يواجه تحديات كبيرة في مجال الوعي والمعلومات، الأمر الذي يتطلب تعزيز المهنية الإعلامية والتعامل المسؤول مع المحتوى المتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وأوضح أن الحرب فرضت واقعاً إعلامياً جديداً، دفع كثيراً من الصحفيين والمؤسسات الإعلامية إلى الاعتماد بصورة أكبر على المنصات الرقمية والمواقع الإلكترونية، التي أصبحت تمتلك التأثير الأوسع في نقل الأخبار وصناعة الرأي العام.

وأشار إلى أن الإعلام الرقمي، رغم ما أتاحه من فرص واسعة للنشر والتفاعل والوصول للجمهور، خلق في المقابل تحديات خطيرة مرتبطة بانتشار المعلومات غير الدقيقة والشائعات، لافتاً إلى أن غياب الضوابط المهنية في بعض المنصات ساهم في زيادة الفوضى الإعلامية وحالات التضليل.

إعلام وطني :

وأكد أن المرحلة الحالية تحتاج إلى إعلام وطني مسؤول لا يقتصر دوره على نقل الأخبار، بل يسهم في حماية المجتمع من خطاب الكراهية والشائعات ومحاولات بث الإحباط والانقسام، داعياً الصحفيين إلى تحري الدقة والتثبت من المعلومات قبل النشر، وعدم التضحية بالمهنية من أجل السبق الصحفي.

كما أشار إلى أن بعض حملات الشائعات تُدار بصورة منظمة وممنهجة بهدف إضعاف الثقة في مؤسسات الدولة والتأثير على الاستقرار المجتمعي، مؤكداً أن الإعلام المهني يمثل خط الدفاع الأهم في مواجهة هذه الحملات.

وفي محور آخر من الورشة، قدم العقيد خالد محمد عبد الله ورقة بعنوان “تحقيق السيادة المعلوماتية ومكافحة التضليل”، تناول فيها أدوات الحرب النفسية الحديثة وأساليب التأثير الإعلامي المستخدمة في استهداف الشعوب والجبهات الداخلية.

استراتيجيات الحروب :

وقال إن الشائعات لم تعد مجرد أخبار كاذبة يتم تداولها بين الناس، بل أصبحت جزءاً من استراتيجيات الحروب الحديثة التي تستهدف الوعي الجمعي والروح المعنوية للمجتمعات.

وأضاف أن تماسك الجبهة الداخلية يمثل العامل الحاسم في مواجهة حملات التضليل، مشيراً إلى أن كثيراً من الدول انهارت نتيجة تفككها الداخلي قبل تعرضها للهزيمة العسكرية.

وأوضح أن الحرب النفسية تعتمد على نشر الخوف والإحباط وفقدان الثقة عبر الأخبار المفبركة والمعلومات المجتزأة، محذراً من خطورة الانتشار السريع للمحتوى المضلل عبر الهواتف الذكية ومنصات التواصل الاجتماعي.

ودعا إلى تعزيز مفهوم “السيادة المعلوماتية” من خلال بناء خطاب إعلامي وطني قوي، وإنشاء منصات قادرة على التصدي للمحتوى المعادي، إلى جانب رفع وعي المجتمع بخطورة تداول الأخبار دون التحقق من مصادرها.

التأثير : 

من جانبه، تناول الدكتور زهير الطيب بانقا، في ورقته المعنونة “الإعلام الرقمي بين الشرعية والتضليل”، التحولات التي أحدثتها الثورة الرقمية في طبيعة الإعلام وأساليب التأثير على المجتمعات.

وأوضح أن وسائل التواصل الاجتماعي أصبحت ساحة رئيسية لصناعة الرأي العام والتأثير السياسي والاجتماعي، مشيراً إلى أن ضعف الثقافة الرقمية لدى كثير من المستخدمين ساهم في الانتشار غير المسبوق للأخبار الكاذبة.

وبيّن أن الشائعات تنشط بصورة أكبر في أوقات الأزمات والحروب، خاصة عند غياب المعلومات الرسمية أو تأخرها، ما يفتح المجال أمام الصفحات غير الموثوقة والمصادر المجهولة لملء الفراغ المعلوماتي.

سياسات إعلامية :

وأكد أن المؤسسات الرسمية مطالبة بتبني سياسات إعلامية أكثر سرعة وشفافية في نشر المعلومات، حتى لا تترك مساحة للشائعات والتفسيرات غير الدقيقة.

كما دعا إلى تدريب الصحفيين وصناع المحتوى على مهارات التحقق الرقمي واستخدام أدوات كشف الأخبار المضللة، مع تعزيز أخلاقيات النشر الإلكتروني.

وشهدت الورشة مداخلات واسعة من المشاركين، حيث دعا عدد من الإعلاميين إلى إنشاء منصات وطنية متخصصة لرصد الشائعات وتفنيدها بشكل فوري، إلى جانب إطلاق حملات توعوية مستمرة تستهدف مختلف فئات المجتمع.

التحقق :

وطالب مشاركون بإدخال مفاهيم التربية الإعلامية والرقمية ضمن المناهج الدراسية لبناء جيل يمتلك القدرة على التحقق من المعلومات والتعامل الواعي مع المحتوى الإلكتروني.

كما دعا آخرون إلى تطوير القوانين والتشريعات المنظمة للإعلام الرقمي بما يحقق التوازن بين حرية التعبير والمسؤولية المهنية، ويحد من خطاب الكراهية والتحريض والمحتوى المضلل.

وأكد المشاركون أن الحرب الحالية كشفت بوضوح الدور المحوري للإعلام في تشكيل الوعي العام، مشيرين إلى أن بعض المنصات ساهمت في نشر الذعر والمعلومات غير الدقيقة، بينما لعبت منصات أخرى دوراً مهماً في نقل الحقائق ودعم الاستقرار المجتمعي.

توصيات :

وفي ختام أعمالها، أوصت الورشة بضرورة تعزيز التنسيق بين المؤسسات الإعلامية والجهات المختصة لمواجهة الشائعات، وتفعيل آليات التحقق من الأخبار، وإنشاء وحدات للرصد الإعلامي لمتابعة وتحليل المحتوى المتداول عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

كما شددت التوصيات على أهمية تنظيم برامج تدريبية متخصصة في الأمن المعلوماتي والصحافة الرقمية، وتوسيع حملات التوعية بمخاطر الحرب النفسية والتضليل الإعلامي، إلى جانب دعم الإعلام الوطني المهني القادر على حماية الوعي المجتمعي وتعزيز التماسك الوطني.

وأكدت الورشة أن معركة الوعي أصبحت جزءاً أساسياً من معارك الدولة الحديثة، وأن الانتصار فيها لا يتحقق بالأدوات العسكرية وحدها، بل يحتاج أيضاً إلى إعلام مسؤول ومجتمع واعٍ قادر على مواجهة الشائعات والتضليل.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى