تقارير

بمشاركة السودان.. «استعادة الأرض.. استعادة الأمل» يفتح معركة عالمية ضد التصحر والجفاف

منغوليا - وكالات :شارع النيل نيوز

تتجه أنظار العالم إلى العاصمة المنغولية أولان باتور، التي تستضيف اعتباراً من اليوم الاثنين أعمال الدورة السابعة عشرة لمؤتمر الأطراف في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر (COP17)، خلال الفترة من 17 إلى 28 أغسطس الجاري، تحت شعار «استعادة الأرض.. استعادة الأمل»، بمشاركة 197 طرفاً في الاتفاقية، بينهم السودان.

وينعقد المؤتمر في ظل تصاعد المخاطر المرتبطة بتدهور الأراضي والجفاف وشح المياه، وانعكاساتها المباشرة على الأمن الغذائي وسبل العيش والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، فيما يسعى المشاركون إلى الانتقال من التعهدات السياسية إلى إجراءات عملية واستثمارات قابلة للقياس تستهدف استعادة الأراضي المتدهورة وتعزيز قدرة الدول والمجتمعات على مواجهة الجفاف.

ويشارك السودان في المؤتمر بوفد يضم ممثلين عن الجهات ذات الصلة من الوزارات والقطاعات الحكومية ومراكز البحوث والشباب ومنظمات المجتمع المدني، وسط تحضيرات وطنية مبكرة تستهدف تعزيز حضور البلاد والاستفادة من المبادرات والبرامج الدولية المرتبطة بمكافحة التصحر واستعادة الأراضي وتحقيق التنمية المستدامة.

تحضير سوداني وموقف وطني موحد

وعمل المجلس الأعلى للبيئة والموارد الطبيعية على تشكيل لجنة وطنية ضمت الجهات المعنية بالشأن البيئي، بهدف تنسيق الجهود وتكامل الرؤى وإعداد موقف سوداني موحد وقوي للمشاركة في المؤتمر.

كما نظم المجلس ورش عمل متخصصة لبناء قدرات المشاركين والمفاوضين وتزويد أعضاء الوفد بالمهارات الفنية والدبلوماسية اللازمة، وأسهمت هذه الورش في تحديد الأولويات الوطنية المتعلقة بقضايا التصحر وتدهور الأراضي والجفاف، باعتبارها من أبرز التحديات التي تواجه السودان.

ويعتزم السودان خلال المؤتمر إبراز احتياجاته في مرحلة التعافي وإعادة الإعمار، لا سيما في ما يتعلق باستعادة الأراضي الزراعية والمراعي ودعم الأمن الغذائي، إلى جانب السعي للحصول على فرص تمويل دولية لمشروعات استعادة الأراضي والإدارة المستدامة للموارد الطبيعية وتعزيز القدرة على مواجهة الجفاف.

كما يسعى الوفد السوداني إلى بناء شراكات فنية وعلمية مع الدول والمنظمات الدولية، والاستفادة من الخبرات والتقنيات الحديثة في مجالات مكافحة التصحر وإدارة المياه واستعادة الأراضي.

السودان يطرح تحدياته وتجربته

ويستعرض السودان ضمن منصة العرض الخاصة بالمؤتمر آثار التصحر وتدهور الأراضي على المجتمعات المحلية، إلى جانب تجاربه في مكافحة هذه الظواهر، فضلاً عن عرض منتجات سودانية وجوانب من الثقافة والتراث الوطني.

وتكتسب المشاركة السودانية أهمية خاصة في ظل ارتباط قضايا التصحر وتدهور الأراضي بصورة مباشرة بالأمن الغذائي واستعادة النشاط الزراعي والرعوي، خاصة خلال مرحلة التعافي وإعادة الإعمار التي تحتاج إلى موارد مالية وتقنيات وخبرات دولية واسعة.

أزمة عالمية تتجاوز البيئة

ويضع COP17 قضية «الأراضي السليمة» في قلب رفاه الإنسان والتنمية، في وقت تشير فيه التقديرات إلى أن تدهور الأراضي والجفاف يؤثران على نحو 40% من أراضي العالم وأكثر من 3.2 مليار شخص، بينما تكلف هذه الظواهر الاقتصاد العالمي مئات المليارات من الدولارات سنوياً.

وتركز المفاوضات على عدد من الملفات، في مقدمتها تعزيز القدرة على الصمود أمام الجفاف، وحماية المراعي، ودعم الزراعة المستدامة، واستعادة التربة، وحشد الموارد المالية، وتعزيز دور القطاع الخاص، إلى جانب بحث التوجه الاستراتيجي المستقبلي لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر.

وأكدت الأمينة التنفيذية لاتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، ياسمين فؤاد، أن تدهور الأراضي والجفاف لم يعودا تحديين بيئيين بعيدين، بل أصبحا يؤثران بصورة مباشرة على الغذاء والمياه وقدرة الاقتصادات والمجتمعات على الصمود.

وشددت على أن العالم لا يفتقر إلى الحلول، وإنما يواجه تحدي توسيع نطاق تطبيقها، داعية إلى حشد القيادة السياسية والاستثمارات والشراكات للانتقال من الالتزامات إلى نتائج ملموسة وقابلة للقياس.

وأضافت أن استعادة الأراضي لا تمثل مجرد التزام بيئي، وإنما استثمار في الإنسان والاستقرار والقدرة على الصمود، مشيرة إلى أن نجاح المؤتمر لن يقاس فقط بالمقررات التي يعتمدها، وإنما بالتغيير الذي تحدثه تلك المقررات في حياة المجتمعات والأراضي حول العالم.

فجوة تمويلية كبيرة

ويمثل التمويل أحد أبرز الملفات المطروحة على طاولة المؤتمر، إذ تشير التقديرات إلى الحاجة لنحو 355 مليار دولار سنوياً لمواجهة تدهور الأراضي والجفاف، في حين لا تتجاوز الاستثمارات الحالية نحو 77 مليار دولار سنوياً، ما يترك فجوة تمويلية تقدر بنحو 278 مليار دولار سنوياً.

ورغم اعتماد قطاعات الأعمال بصورة كبيرة على الأراضي السليمة والمياه الموثوقة، لا يوفر القطاع الخاص حالياً سوى نحو 6% من التمويل العالمي المخصص لاستعادة الأراضي وتعزيز القدرة على الصمود أمام الجفاف، ما يعزز الحاجة إلى شراكات أوسع بين الحكومات ومصارف التنمية والمؤسسات المالية والشركات والمستثمرين.

ويناقش المؤتمر آليات جذب الاستثمارات الخاصة وتوجيهها نحو مشروعات استعادة الأراضي والإدارة المستدامة للموارد الطبيعية، بما يحول حماية الأراضي من قضية بيئية إلى فرصة اقتصادية واستثمارية طويلة الأجل.

الجفاف والمراعي في صدارة النقاش

ويستند COP17 إلى التقدم الذي تحقق خلال الدورة السادسة عشرة التي عقدت في الرياض، لمواصلة النقاش حول إطار عالمي للسياسات المتعلقة بالجفاف، إلى جانب تطوير الأدوات العملية وآليات التمويل والشراكات التي تساعد الدول على الانتقال من الاستجابة للأزمات إلى الوقاية والاستعداد المبكر.

وتشمل المناقشات تعزيز أنظمة الإنذار المبكر، وتقييم قابلية التأثر، ووضع خطط وطنية لمواجهة الجفاف، وتوسيع نطاق التعاون الدولي.

وتشير المؤشرات إلى تنامي الاهتمام العالمي بهذا المسار، مع وضع أكثر من 70 دولة خططاً وطنية للجفاف، مقارنة بثلاث دول فقط في عام 2013.

منغوليا.. البلد المضيف في قلب الأزمة

وتكتسب استضافة منغوليا للمؤتمر أهمية خاصة، في ظل تعرضها المباشر لتداعيات تدهور الأراضي والجفاف وتغير المناخ، إذ تشير البيانات إلى أن نحو 77% من أراضيها تعاني التدهور، بينما يعتمد نحو ثلث سكانها على الرعي كمصدر للعيش.

وخلال عامي 2023 و2024، أدى تعاقب موجات الجفاف الصيفية والشتاء القاسي المعروف باسم «الدزود» إلى نفوق أكثر من سبعة ملايين رأس من الماشية، في واقعة كشفت هشاشة المجتمعات التي تعتمد على المراعي والثروة الحيوانية، وأكدت الحاجة إلى تعزيز القدرة على الصمود في المناطق الجافة.

ويتزامن المؤتمر مع السنة الدولية للمراعي والرعاة 2026، التي أعلنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة، بما يوفر فرصة لتسريع العمل بشأن الإدارة المستدامة للمراعي واستعادتها وحمايتها، وتسليط الضوء على احتياجات المجتمعات الرعوية.

رهان على الانتقال من الأقوال إلى التنفيذ

وأكد رئيس الوزراء المنغولي، أوخنا خوريلسوك، أن بلاده تأمل أن يسهم COP17 في تحقيق انتقال حقيقي من الأقوال إلى الأفعال، ومن الأهداف إلى التنفيذ، ومن الالتزامات إلى نتائج قابلة للقياس.

ودعا إلى التعامل مع قضايا الأراضي والمناخ والتنوع البيولوجي باعتبارها تحديات مترابطة، وليست ملفات منفصلة، مشدداً على أهمية زيادة الاستثمارات في استصلاح الأراضي، وجعل القدرة على مواجهة الجفاف جزءاً أساسياً من سياسات التنمية، والاستفادة من معارف الرعاة والمجتمعات المحلية، وتحويل العلم والتكنولوجيا والابتكار إلى حلول واستثمارات حقيقية.

ويأتي COP17 في توقيت مهم باعتباره أول مؤتمرات الأطراف الثلاثة لاتفاقيات «ريو» التي تعقد خلال عام 2026، قبل مؤتمري التنوع البيولوجي وتغير المناخ، ما يمنحه فرصة لتعزيز التكامل بين ملفات تدهور الأراضي وفقدان التنوع البيولوجي وتغير المناخ والأمن الغذائي والمائي والقدرة على الصمود.

ومن المنتظر أن تسهم مخرجات المؤتمر من مقررات وشراكات ومبادرات في تعزيز التعاون الدولي بشأن الإدارة المستدامة للأراضي واستعادتها، ودعم الدول الأكثر تعرضاً للجفاف، وتسريع تدفق التمويل إلى المشروعات القادرة على إحداث أثر ملموس.

وبالنسبة للسودان، تمثل المشاركة في المؤتمر فرصة لطرح تحديات التصحر وتدهور الأراضي والجفاف ضمن أولويات مرحلة التعافي، والدفع نحو حشد الدعم الدولي لاستعادة الأراضي الزراعية والمراعي، وتعزيز الأمن الغذائي وإدارة الموارد الطبيعية، بما يدعم جهود إعادة الإعمار والتنمية المستدامة.

وفي ظل الضغوط المتزايدة على التعددية الدولية، يطرح COP17 اختباراً حقيقياً لقدرة الدول على تحويل التوافقات الدولية إلى إجراءات على الأرض. فمكافحة التصحر وتدهور الأراضي لم تعد قضية بيئية محضة، بل أصبحت مرتبطة بصورة مباشرة بأمن الغذاء والمياه والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وسبل العيش ومستقبل المجتمعات والأجيال المقبلة.

ومن هنا، فإن الرهان الأساسي لمؤتمر أولان باتور لا يكمن فقط في صياغة قرارات جديدة، وإنما في القدرة على تحويلها إلى استثمارات وشراكات وحلول قابلة للتنفيذ والقياس، وجعل استعادة الأراضي وتعزيز القدرة على الصمود أمام الجفاف ركيزة أساسية لمسار التنمية المستدامة، بما يتيح للسودان وغيره من الدول الأكثر تأثراً الاستفادة من فرص التمويل والخبرات والتقنيات الدولية المتاحة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى