تقارير

من الحوار إلى التنفيذ.. السودان يضع خارطة طريق لتعافي القطاع الخاص وتحالفاً لإعادة الإعمار

تقرير :شارع النيل نيوز

اختتمت في الخرطوم، الأربعاء، أعمال حوار رفيع المستوى حول تعافي القطاع الخاص السوداني، بإعلان خارطة طريق تتضمن 10 توصيات تستهدف تحسين بيئة الاستثمار، وتوسيع قنوات التمويل، وتأهيل البنية التحتية، وتعزيز الإنتاج والصادرات، بالتزامن مع طرح ترتيبات لتحالف يجمع الحكومة والقطاع الخاص وشركاء دوليين لدعم مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.

وانعقد الحوار خلال الفترة من 21 إلى 23 سبتمبر، بمشاركة ممثلين للحكومة والقطاع الخاص والمؤسسات المالية وشركاء التنمية، لبحث التحديات التي تواجه النشاط الاقتصادي ووضع مسارات عملية لاستعادة الإنتاج والاستثمار ومعالجة آثار الحرب.

10 توصيات للانتقال من الحوار إلى التنفيذ

ركزت خارطة الطريق على مواصلة الحوار والتنسيق بين الحكومة والقطاع الخاص وشركاء التنمية، وإنشاء آليات مشتركة تضمن استمرارية التواصل وفتح قنوات مباشرة ومنتظمة لمناقشة التحديات وتحديد الأولويات والحلول، إلى جانب إعداد خطط عاجلة وقصيرة ومتوسطة وطويلة المدى.

وشملت التوصيات مساعدة القطاع الخاص في الحصول على التمويل من المؤسسات المالية الدولية والإقليمية، وتشجيع الشراكات المحلية والدولية مع المؤسسات المالية وشركات التأمين والجهات ذات الصلة، فضلاً عن توجيه مؤسسات التمويل الوطنية إلى توسيع التمويل الموجه للقطاعات الإنتاجية.

ودعت الخارطة إلى تهيئة بيئة استثمارية أكثر استقراراً وجاذبية، عبر تقديم التسهيلات للمستثمرين، وتبسيط الإجراءات، وتحديث القوانين والتشريعات، وتفعيل نظام النافذة الواحدة، والتوسع في استخدام التكنولوجيا والتحول الرقمي.

كما أوصت بتقديم حوافز لتشجيع القطاع الخاص على الدخول في شراكات مع الحكومة في القطاعات الحيوية، وتوفير البنية التحتية الأساسية، خصوصاً الطرق والطاقة والمياه والاتصالات، بما يساعد على خفض تكلفة الإنتاج وتحسين بيئة الأعمال وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.

وأكدت التوصيات أهمية تطوير القدرات المؤسسية والمالية والفنية للقطاع الخاص، وتمكينه من تكوين كيانات أكثر قدرة على المنافسة والدخول في مشروعات إعادة الإعمار والتنمية، إلى جانب إيلاء اهتمام خاص لصغار المستثمرين والشباب والنساء عبر تحسين فرص حصولهم على التمويل والأسواق والخدمات الداعمة.

الإنتاج والتصدير في قلب خارطة التعافي

أولت الخارطة اهتماماً بتعزيز استفادة القطاع الخاص من الميز النسبية للسودان، مع التركيز على إنتاج وتصنيع الغذاء للأسواق المحلية والعالمية، بهدف زيادة الإنتاج والصادرات وتحقيق الأمن الغذائي وفتح أسواق جديدة.

كما دعت إلى تعزيز التنسيق بين الشركاء لتسويق المنتجات السودانية وإبرازها في الأسواق العالمية، خاصة في ظل التطورات المرتبطة بأحداث مضيق هرمز.

جبريل: ننتقل من تشخيص التحديات إلى العمل

وأكد وزير المالية، د. جبريل إبراهيم، أن خارطة الطريق تمثل خطوة للانتقال من الحوار إلى العمل، ومن تشخيص التحديات إلى تحديد الأولويات والحلول، معلناً أن الوزارة ستعمل مع الوزارات والمؤسسات الحكومية والقطاع الخاص وشركاء التنمية لترجمة التوصيات إلى سياسات وبرامج وإجراءات عملية قابلة للتنفيذ.

وقال جبريل إن السودان يقف أمام مرحلة مفصلية، موضحاً أن التحدي لا يقتصر على معالجة آثار الحرب وإعادة ما دمرته، وإنما يمتد إلى بناء اقتصاد أكثر قدرة على الصمود والإنتاج والتنوع والتنافسية.

ودعا المؤسسات المالية الإقليمية والدولية وشركاء التنمية إلى توسيع دعم القطاع الخاص السوداني وتمكينه من الاستفادة من نوافذ التمويل والضمانات وأدوات تقاسم المخاطر والبرامج الفنية، مع الانتقال تدريجياً من الاستجابة للاحتياجات قصيرة الأجل إلى شراكات وبرامج مستدامة تركز على استعادة الإنتاج وتحفيز الاستثمار وإعادة بناء المؤسسات وسلاسل القيمة وتوفير فرص العمل والدخل.

وأشار إلى أن الحكومة تعمل على مواصلة الإصلاحات المالية والاقتصادية لتعزيز الاستقرار وتحسين إدارة الموارد العامة، ومعالجة الاختناقات التي تحد من النشاط الاقتصادي، وفي مقدمتها الطاقة والبنية التحتية والتشريعات والإجراءات الإدارية.

وأكد أن مرحلة التعافي تمثل فرصة لإعادة النظر في النموذج الاقتصادي والاستفادة من دروس الأزمة، وبناء مؤسسات أكثر كفاءة وسلاسل قيمة أقوى وقطاع خاص أكثر تنافسية واقتصاد أكثر ارتباطاً بالأسواق الإقليمية والدولية.

البرير: تحالف ثلاثي لدعم التعافي وإعادة الإعمار

وقال رئيس اتحاد أصحاب العمل السوداني، معاوية محمد أحمد البرير، إن الحوار أفضى إلى إعلان تحالف بين القطاع الخاص والحكومة ووزارة المالية ومنظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية «اليونيدو» وشركاء من منظومة الأمم المتحدة، بهدف دعم مرحلة التعافي وإعادة الإعمار.

وأوضح أن الحوار أكد أهمية الدور المحوري للقطاع الخاص في قيادة التنمية وإعادة البناء عقب الحرب، مشيراً إلى مشاركة حكومية وإقليمية ودولية واسعة في الفعالية.

وقال البرير إن المؤتمر لا يمثل مؤتمراً للمانحين، وإنما يستهدف تشجيع المستثمرين وتعزيز التواصل بين الشركاء وإرسال رسالة إلى الخارج بأن إعادة إعمار السودان تمثل فرصة للاستثمار، وأن القطاع الخاص شريك أساسي في تلبية احتياجات المواطنين في قطاعات الزراعة والصناعة والتجارة.

ودعا إلى دعم القطاع الخاص وتمكينه من الاستفادة من التمويل الخارجي، معرباً عن تفاؤله بإمكانية عودة الاستثمارات ورؤوس الأموال السودانية الموجودة بالخارج حال تهيئة البيئة المناسبة.

الغرف الصناعية: تمويل تنموي عبر شراكة ثلاثية

من جانبه، قال الأمين العام لاتحاد الغرف الصناعية، عباس علي السيد، إن المنتدى يمثل خطوة نحو قيام تحالف ثلاثي بين الحكومة والقطاع الخاص وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي «UNDP»، بهدف استعادة عافية الاقتصاد الوطني وإعادة إعمار ما دمرته الحرب.

وأوضح أن التعهدات المرتقبة بين الأطراف الثلاثة تركز على الجوانب التشريعية والسياسات والضوابط والمشروعات المشتركة، وليست تعهدات مالية مباشرة.

وأشار إلى أن القطاع الخاص يستهدف إعادة استثماراته ومشروعاته الإنتاجية في الزراعة والصناعة، والمساهمة في إعادة بناء البنية التحتية، بما فيها الطرق والكهرباء والاتصالات، من خلال الشراكة بين القطاعين العام والخاص «PPP».

وأضاف أن الحوار مع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي يهدف إلى فتح آفاق التمويل التنموي الدولي والإقليمي للقطاع الخاص، عبر منصات تجارية وقروض قابلة للاسترداد بدلاً من الإعانات والمساعدات، بما يساعد القطاعين الخاص والمصرفي على تجاوز ضعف قدرتهما الحالية على تمويل إعادة الإعمار بصورة منفردة.

تركيا.. بوابة مقترحة لتسويق الصادرات السودانية

وفي ملف التجارة الخارجية، كشف رئيس مجلس العلاقات التركية السودانية، أحمد الدمرجي، عن مشاركة وفد من رجال الأعمال السودانيين في الحوار لبحث تحديات القطاع الزراعي والصادرات، وسبل إعادة إدماج المنتجات السودانية في الأسواق العالمية.

وقال الدمرجي إن ارتفاع تكاليف النقل والطاقة وتعدد الرسوم المحلية والولائية يمثلان أبرز العقبات أمام الصادرات السودانية، مشيراً إلى أن رجال الأعمال طرحوا مقترحات لخفض الرسوم وتعزيز القدرة التنافسية للمنتجات.

وطرح الدمرجي رؤية للاستفادة من القدرات اللوجستية التركية عبر جعل تركيا مركزاً لتسويق وتوزيع السلع والمحاصيل الاستراتيجية السودانية إلى الأسواق العالمية، خصوصاً الأسواق الأفريقية، مع الحفاظ على بلد المنشأ السوداني للمنتجات.

وأشار إلى أن حجم التبادل التجاري بين السودان وتركيا ارتفع من نحو 71 مليون دولار في 2003 إلى نحو 680 مليون دولار في 2022، قبل أن يتراجع إلى نحو 390 مليون دولار في 2025.

وقال إن استثمارات الشركات التركية في السودان تقدر بنحو 300 مليون دولار، فيما نفذت شركات المقاولات التركية أكثر من 90 مشروعاً في البلاد بقيمة تقارب 3 مليارات دولار، مشيراً إلى وجود خطة لرفع التبادل التجاري بين البلدين إلى ملياري دولار خلال الفترة المقبلة.

تمويل أصغر للمنتجين والشباب والنساء

ودعت سيدة الأعمال وداد يعقوب إلى تنظيم منتدى متخصص لمناقشة تحديات وفرص التمويل الأصغر في السودان، معتبرة أن صغار المزارعين والرعاة وأصحاب المشروعات الإنتاجية الصغيرة يمثلون قاعدة مهمة لإنعاش الاقتصاد.

وأشادت يعقوب بمشاركة مؤسسات الدولة في الحوار، مشيرة إلى حضور وزارة المالية وبنك السودان المركزي والأمانة العامة لمجلس الوزراء، والاستماع إلى مقترحات القطاع الخاص بشأن سبل النهوض به.

وأكدت أن تطوير القطاع الخاص يمثل عاملاً أساسياً في مسار التنمية، داعية إلى تضافر الجهود المحلية والدولية لمعالجة التحديات التي تواجه المشروعات الصغيرة وتوفير التمويل والخدمات اللازمة لها.

القطاع الخاص ينتقل من الصمود إلى التعافي

وقال نائب رئيس اتحاد غرف الزراعة والإنتاج الحيواني، رئيس قطاع صادر اللحوم وعضو مجلس إدارة اتحاد أصحاب العمل السوداني، خالد المقبول، إن القطاع الخاص أثبت قدرته على الصمود خلال الحرب، وانتقل من مرحلة الصمود إلى الاستعداد للتعافي والتنمية والاستثمار.

وأوضح أن القطاع الخاص أعاد توزيع استثماراته وأنشطته من المناطق المتأثرة بالحرب إلى مناطق أكثر أمناً، بما أسهم في استمرار النشاط الاقتصادي وخلق فرص عمل، معتبراً أن هذا التوزيع الجغرافي يمكن أن يشكل فرصة لبناء نمط تنموي أكثر انتشاراً.

وأشار إلى أن المرحلة المقبلة ينبغي ألا تقتصر على استعادة الوضع الاقتصادي السابق للحرب، وإنما تستهدف بناء اقتصاد أفضل والاستفادة من الدروس السابقة.

وقال إن ختام الحوار شهد الترتيب لإعلان تحالف يجمع اتحاد أصحاب العمل السوداني وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي والحكومة، مع استمرار لجان مشتركة لمتابعة التوصيات وتحويلها إلى خطوات عملية.

صديق البشير: وقف الحرب شرط للتعافي

في المقابل، قال رئيس نادي رجال وسيدات الأعمال السوداني، صديق البشير، إن التعافي الحقيقي للقطاع الخاص والاقتصاد السوداني يبدأ بوقف الحرب، مشيراً إلى أن استمرار الصراع يعرقل جهود إعادة بناء النشاط الاقتصادي.

وانتقد ما وصفه بضعف تمثيل القطاع الخاص في الحوار، داعياً إلى أن تكون المرحلة المقبلة أكثر شمولاً وتمثيلاً لمكونات القطاع، وأن تفضي إلى مخرجات واضحة وقابلة للتنفيذ.

وشدد البشير على ضرورة وضع معاناة المواطنين في صدارة النقاش حول التعافي الاقتصادي، في ظل تراجع قيمة الجنيه وارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات الأساسية.

ودعا الدولة والقطاع الخاص والشركاء الدوليين إلى توجيه جهود التعافي نحو احتياجات المواطنين، وتحويل مخرجات الحوار إلى إجراءات عملية، كما طالب رجال الأعمال بمراعاة الظروف المعيشية للمواطنين ودعم القطاعات التي ترتبط باحتياجاتهم الأساسية.

من التوصيات إلى إعادة بناء الاقتصاد

ويأتي حوار تعافي القطاع الخاص السوداني في إطار مساعي الحكومة وشركاء التنمية لوضع أولويات عملية لاستعادة دور القطاع الخاص في الإنتاج والاستثمار وإعادة الإعمار.

وتتقاطع مخرجات الحوار وتصريحات المشاركين حول الحاجة إلى معالجة تحديات التمويل والبنية التحتية والتشريعات، وتهيئة بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار، مع اختلاف وجهات النظر بشأن مستوى تمثيل القطاع الخاص وأولويات المرحلة.

ويضع إعلان خارطة الطريق والتحالفات المقترحة الحكومة والقطاع الخاص وشركاء التنمية أمام مرحلة جديدة تتمثل في تحويل التوصيات إلى سياسات وبرامج ومشروعات قابلة للتنفيذ، بما يربط التعافي الاقتصادي باستعادة الإنتاج وتوسيع الاستثمار وإعادة بناء البنية التحتية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى