«سودان فود إكسبو 2026».. السودان يعوّل على الإنتاج لتعزيز الأمن الغذائي واستقطاب الاستثمارات
تقرير :الطيب علي

في وقت تتجه فيه البلاد نحو استعادة نشاطها الاقتصادي والإنتاجي، عادت الخرطوم لاستضافة الفعاليات والمعارض الاقتصادية من خلال معرض السودان للغذاء والتصدير «سودان فود إكسبو 2026»، الذي افتتحه رئيس الوزراء البروفيسور كامل إدريس، الأربعاء، بأرض المعارض في بري، بمشاركة وزارات الزراعة والري والثروة الحيوانية والسمكية، وعدد من الولايات والشركات الوطنية والإقليمية والمستثمرين ورواد الأعمال.
ويأتي تنظيم المعرض، الذي يستمر حتى 8 نوفمبر الجاري، في إطار مساعي تعزيز الشراكات الاستثمارية والتجارية، وربط المنتجين بالأسواق، وفتح آفاق جديدة أمام الصادرات السودانية، في وقت تتزايد فيه التطلعات إلى تحويل الموارد الزراعية والحيوانية التي يزخر بها السودان إلى منتجات ذات قيمة مضافة تسهم في دعم الاقتصاد الوطني وتعزيز الأمن الغذائي.

وأكد رئيس الوزراء، خلال افتتاح المعرض، أن الموارد والمقومات التي يمتلكها السودان تؤهله ليكون مصدراً أساسياً للأمن الغذائي العالمي، مشدداً على أهمية الاستفادة من الإمكانات الوطنية وتطوير القطاعات الإنتاجية. وتفقد أجنحة وزارات الزراعة والري والثروة الحيوانية والسمكية، واطلع على خطط تطوير القطاع الزراعي وإمكانات معامل فحص المنتجات الزراعية المعتمدة دولياً، إلى جانب استراتيجيات تحديث الإنتاج الحيواني وتصدير اللحوم والألبان والدواجن وفق معايير الجودة العالمية.
وشملت جولته جناح شركة «جياد» لتصنيع المعدات والآليات الزراعية، حيث أشاد بجهود توطين صناعة الآليات، كما زار جناح شركة الأصول الذهبية للاستثمار المتخصصة في تطبيقات التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والأتمتة، ووقف على مبادرات صغار المنتجين والشباب، مؤكداً التزام الدولة برعاية هذه الفئات وتمكينها من تطوير مشروعاتها الإنتاجية.
20 مليار دولار من أسواق الغذاء الخليجية
وفي محور تعزيز الصادرات، طرح وزير الثروة الحيوانية والسمكية، البروفيسور أحمد التجاني المنصوري، رؤية طموحة للاستفادة من أسواق الغذاء الخليجية، مشيراً إلى أن الاستحواذ على 10% فقط من احتياجات دول مجلس التعاون الخليجي الغذائية، المقدرة بنحو 200 مليار دولار سنوياً، يمكن أن يحقق للسودان عائدات تصل إلى 20 مليار دولار.
وقال المنصوري إن السودان يمتلك مقومات تؤهله للتحول إلى مركز إقليمي لإنتاج وتصنيع وتصدير الغذاء، مستفيداً من موارده الزراعية والحيوانية وموقعه الجغرافي القريب من الأسواق الخليجية والمصرية، لافتاً إلى أن التحدي الحقيقي لا يكمن في حجم الموارد، وإنما في كيفية تحويلها إلى منتجات غذائية آمنة وصناعات ذات قيمة مضافة توفر فرص العمل وتعزز دخل المواطنين والصادرات.

وشدد على ضرورة الانتقال بقطاع الثروة الحيوانية من تصدير الحيوانات الحية والمواد الخام إلى تصدير المنتجات المصنعة، بما يشمل اللحوم المبردة والمصنعة والألبان ومشتقاتها والجلود والأسماك ومنتجات الاستزراع السمكي والعسل العضوي، بما يفتح المجال أمام المنافسة في الأسواق الخليجية والمصرية والإفريقية.
وكشف عن توجه لإنشاء مدن متكاملة للإنتاج الحيواني في عدد من الولايات، لا تقتصر على المجازر، وإنما تضم منظومات للإنتاج والأعلاف والخدمات البيطرية والتصنيع والتبريد والتعبئة والتخزين والتسويق والتصدير، مشيراً إلى أن الخطة تستهدف وضع صغار المربين في قلب العملية الإنتاجية، من خلال ربطهم بالمستثمرين والمصانع عبر الشراكات التعاقدية ونظام المنتجين المتعاقدين، بما يوفر لهم التمويل والخدمات البيطرية والتغذية والتحسين الوراثي والتدريب، ويضمن تسويق منتجاتهم.
وأوضح أن دراسات الجدوى يجري إعدادها حالياً لأربعة مجمعات للإنتاج الحيواني بالتعاون مع مصرف الحيوان وبنك النيل وبنك أم درمان الوطني، بهدف زيادة الإنتاجية وتحسين دخول الأسر الريفية وخلق فرص العمل.
وفي سياق تطوير الإنتاج، أشار الوزير إلى خطط لرفع متوسط إنتاج الأبقار من الألبان، الذي يتراوح حالياً بين 7 و10 أرطال، إلى 20 رطلاً في مرحلة أولى وصولاً إلى 100 رطل، إلى جانب تحسين أوزان الماشية المخصصة للحوم بما يرفع العائد الاقتصادي من صادراتها.

ولفت إلى أن اختيار ولايتي نهر النيل والشمالية لإقامة مدن الإنتاج الحيواني يرتبط بموقعهما الجغرافي وقربهما من الأسواق الخليجية والمصرية، فضلاً عن المزايا التنافسية التي يوفرها انخفاض تكاليف النقل والتأمين مقارنة بمناطق التصدير البعيدة مثل أمريكا الجنوبية وأستراليا ونيوزيلندا.
كما كشف عن العمل على تأهيل 15 شركة بولاية نهر النيل، من خلال فريق فني يتولى معالجة التحديات واستكمال متطلبات التصدير، إلى جانب تأهيل 13 شركة بولاية الشمالية، بهدف تمكينها من دخول الأسواق الخارجية قبل نهاية العام الحالي.
وأشار المنصوري إلى وجود طلبات لاستيراد منتجات سودانية من دول مجلس التعاون الخليجي وليبيا وإندونيسيا وتركيا وبريطانيا والجزائر، مؤكداً أن الاستفادة من هذه الفرص تتطلب استكمال الاشتراطات والشهادات الدولية اللازمة.
استثمارات سعودية عبر ست شركات
وعلى صعيد الشراكات الاستثمارية، أعلنت مجموعة شركة الأصول الذهبية للاستثمار السعودية استعدادها للشروع في تنفيذ مشروعات بالسودان عبر ست شركات تعمل في مجالات الزراعة والتحول الرقمي والأتمتة والذكاء الاصطناعي وتحليل الأعمال والتسويق.
وقال مدير المجموعة، محمد المبارك، إن المشاركة في المعرض تأتي انطلاقاً من الإيمان بالإمكانات الاستثمارية للسودان، مشيراً إلى أن المجموعة حضرت من المملكة العربية السعودية لطرح شراكات استثمارية تتجاوز تقديم الخدمات إلى الدخول في مشروعات مشتركة.
وأوضح أن الشركات المشاركة تشمل «أورغانيس» للتحول الرقمي، و«زاغل» للأتمتة والأنظمة، و«السهم الأبيض» في المجال الزراعي، و«فالكون» لبرامج الذكاء الاصطناعي، و«بي إي» لتحليل الأعمال، إلى جانب شركة متخصصة في التسويق.
وكشف عن اعتزام شركة «السهم الأبيض» استيراد المنتجات الزراعية السودانية وتسويقها في أسواق الخليج، بما يعزز فرص التبادل التجاري ويفتح منافذ جديدة أمام المنتجات الوطنية.
وأكد المبارك أن رؤية المجموعة تقوم على بناء حكومة ذكية وزراعة ذكية واقتصاد معرفي يعتمد على الكفاءات السودانية، مشيراً إلى جاهزية الشركات التابعة للمجموعة لبدء تنفيذ المشروعات والشراكات الاستثمارية.
الإنتاج.. معركة موازية لاستعادة الوطن
وفي رسائل عكست البعد الوطني والاقتصادي للمعرض، أكد مدير شركة دواجن النيل مهندس عباس هارون أن «سودان فود» يمثل أكثر من مجرد منصة لعرض المنتجات، بل يعكس قدرة السودان على مواصلة الإنتاج الزراعي والحيواني والتصنيع والصمود في مواجهة تداعيات الحرب.
وقال إن إقامة المعرض ومشاركة المنتجين فيه تبعثان برسالة مفادها أن السودان قادر على العطاء والإنتاج ولن يجوع مهما تعددت التحديات والاستهدافات، مشيداً بتضحيات القوات المسلحة والقوات المساندة، ومؤكداً أن مسؤولية الدفاع عن الوطن لا تقتصر على المواجهة العسكرية، وإنما تمتد إلى معركة الإنتاج والكرامة.
وشدد على أن التعافي وإعادة الإعمار واستعادة النهضة الاقتصادية ترتكز على تكامل ثلاثة قطاعات رئيسية هي الزراعة والثروة الحيوانية والصناعة، داعياً إلى تحويل الموارد الطبيعية والكفاءات البشرية إلى استثمارات ومشروعات إنتاجية تسهم في خدمة الاقتصاد الوطني.
الولايات.. موارد واعدة وتحديات الإنتاج والتصدير
من جانبه، أكد زير الثروة الحيوانية في إقليم النيل الأزرق عرفات الصادق متحدثاً نيابة عن الولايات المشاركة في المعرض أن تعافي الاقتصاد السوداني يرتكز على الإنتاج، خاصة في قطاعي الزراعة والثروة الحيوانية، مشدداً على أهمية الانتقال من التركيز على زيادة أعداد الثروة الحيوانية إلى تحسين جودة الإنتاج ورفع كفاءته بما يعزز فرص التصدير.
وأشار إلى أن القطاعين الزراعي والحيواني يمثلان منظومة متكاملة، ولا يمكن تحقيق تنمية مستدامة في أحدهما بمعزل عن الآخر، داعياً إلى تعزيز التنسيق بين وزارة الثروة الحيوانية والسمكية والولايات، وتبني رؤية مشتركة لتطوير الإنتاج وتحسين جودته.
وحيّا الولايات المشاركة، وخص ولاية شمال كردفان ومدينة الأبيض بالإشادة، تقديراً لصمود مواطنيها ومشاركتهم في المعرض رغم الظروف التي فرضتها الحرب، مؤكداً استمرار جهود الإنتاج في إقليم النيل الأزرق رغم الهجمات التي يتعرض لها على عدة محاور.
منصة للشراكات ونقل التكنولوجيا
من جهته، أكد مدير شركة «بازار للأنشطة المتعددة»، المنظمة للمعرض،مهندس محمد الحاج محمد أن «سودان فود إكسبو 2026» لا يمثل حدثاً تجارياً عابراً، وإنما منصة استراتيجية تستهدف تأسيس شراكات مستدامة بين المؤسسات الحكومية والقطاع الخاص والمصانع، وربط المنتجين بالمستثمرين، وتبادل الخبرات والتكنولوجيا المتقدمة.
وشهد حفل الافتتاح حضوراً رسمياً ومهنياً، وسط إشادة بجهود الجهات المنظمة والشركاء والرعاة في دعم الاقتصاد الوطني وتطوير التعاون التجاري والاستثماري في قطاعات الزراعة والثروة الحيوانية والصناعات الغذائية والسمكية.
ويعكس المعرض، في مجمل فعالياته ومشاركة المؤسسات والولايات والشركات الوطنية والإقليمية، توجهاً نحو إعادة وضع الإنتاج في صدارة أولويات التعافي الاقتصادي، والاستفادة من الموارد المتاحة في بناء سلاسل قيمة متكاملة، بدلاً من الاكتفاء بتصدير المواد الخام، بما يعزز قدرة السودان على استعادة موقعه في أسواق الغذاء الإقليمية والدولية.



