تقارير

بعد طي صفحة المبادرات الخارجية.. هل ينجح الحوار السوداني في إنهاء الأزمة؟

الخرطوم :شارع النيل نيوز

مع إعلان الحكومة السودانية طي صفحة المبادرات الخارجية الرامية إلى إنهاء الحرب، تتجه الأنظار إلى مسار الحوار السوداني–السوداني باعتباره الخيار المطروح لمعالجة الأزمة من الداخل، وسط تساؤلات حول قدرته على جمع القوى السياسية والمجتمعية المختلفة، والوصول إلى توافق يمهد لإنهاء الحرب وإرساء سلام مستدام.

 

ويأتي هذا التحول بعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب، شهدت خلالها الساحة السودانية مبادرات ومسارات تفاوضية إقليمية ودولية متعددة، دون أن تتمكن من وضع حد نهائي للنزاع، ما أعاد طرح فكرة امتلاك السودانيين زمام العملية السياسية وتحديد مساراتها بأنفسهم.

 

الحكومة: الحوار السوداني هو المسار

 

وزير الثقافة والإعلام خالد الإعيسر، قال مؤخراً في مقابلة مع «الأهرام أونلاين»، إن الخرطوم «طوت صفحة المبادرات الخارجية» لصالح الحوار السوداني–السوداني، مؤكداً أن ضبط النفس في التعامل مع الدول المجاورة لا ينبغي أن يُفسر على أنه ضعف.

ومع دخول الحرب عامها الرابع، تدعم الحكومة مساراً للحوار السوداني–السوداني، تقول إنه ينبغي أن يشمل قوى سياسية ذات رؤى مختلفة، مع تقديم الدولة ضمانات للمشاركين، وترك تحديد جدول الأعمال والتمثيل لأطراف الحوار.

 

ورأى الإعيسر أن الحوار السوداني يمكن أن يسهم في إنهاء الحرب، وأن معالجة الخلافات بين القوى السياسية من شأنها تهيئة الظروف اللازمة لتحقيق سلام دائم، مضيفاً أن «الحوار السوداني–السوداني الجاد» يمكن أن يصبح جزءاً من عملية إنهاء الحرب الحالية.

 

وأكد الوزير أن الحكومة تسعى إلى حل سوداني للأزمة، وأنها قدمت ضمانات للقوى السياسية المعارضة لها لتمكينها من المشاركة، مشيراً إلى تعقيد الوضع الذي تتداخل فيه الخلافات السياسية الداخلية مع المصالح الإقليمية والدولية.

 

وقال إن إجراء حوار سوداني–سوداني داخل البلاد يسهم في حماية السيادة الوطنية، ويتيح للأطراف السودانية معالجة مشكلاتها من منظور وطني مستقل، بدلاً من الخضوع لأجندات مفروضة من الخارج.

 

دعم للحوار داخل السودان

ويرى الكاتب والمحلل السياسي صدقي مطر أن حديث وزير الإعلام يعبر عن رغبة واسعة وسط السودانيين في أن يكون الحوار «سودانياً–سودانياً» ويُعقد داخل البلاد، بهدف الوصول إلى توافق سياسي جامع يسهم في وقف الحرب وتحقيق الاستقرار.

 

وقال مطر لـ«منصة الحوار» إن لجنة تهيئة الحوار السوداني–السوداني تعمل، بحسب تقديره، باستقلالية وحياد، وتتواصل مع مختلف الفئات، داعياً إلى دعمها من منظور وطني.

 

وأشار إلى أن مبادرات دولية وإقليمية عدة طُرحت منذ اندلاع الحرب، لكنها لم تنجح في إنهاء الأزمة، معتبراً أن تجاوز أسباب تعثرها ممكن من خلال جلوس السودانيين إلى بعضهم البعض والتشاور حول مستقبل البلاد.

 

وأكد أن الدعم الدولي والإقليمي يمكن أن يكون محل ترحيب، لكن القرار النهائي، وفق رؤيته، ينبغي أن يظل بيد السودانيين باعتبارهم أصحاب القضية، محذراً من أن المرحلة الحالية تتطلب توافقاً على أرضية مشتركة بعيداً عن المصالح الضيقة والتأثيرات الخارجية.

واعتبر مطر أن التزام مؤسسات الدولة بعدم التدخل في مجريات الحوار يمثل مؤشراً على الجدية، كما رأى أن التحسن الأمني والاستقرار النسبي في بعض المناطق يمكن أن يساعدا على إطلاق الحوار داخل السودان وإغلاق الباب أمام مسارات التفاوض الخارجية.

 

الحوار لا يقتصر على القوى السياسية

من جانبه، قال مدير مركز الخرطوم للسلم الاجتماعي والإعلام، المبر محمود، لـ«منصة الحوار»، إن موقفه منذ البداية يقوم على أن يكون مركز اتخاذ القرار في القضايا الوطنية سودانياً ومحلياً، وأن يمتلك السودانيون زمام حوارهم ومستقبلهم.

ورحب محمود بما وصفه بالترحيب والدعم الذي وجدته لجنة تهيئة الحوار من المجتمع الدولي وعدد من الفاعلين الدوليين، معتبراً أن هذا الدعم يمكن البناء عليه دون أن ينتقص من سودانية العملية.

وأشار إلى أن انفتاح اللجنة على مختلف المكونات السياسية والاجتماعية واعتمادها مسارين، سياسي ومجتمعي، يمثلان نقطة مهمة، لأن إصلاح المجال العام في السودان، خصوصاً في ظل الحرب، يتجاوز الجانب السياسي إلى البنية الاجتماعية.

وشدد على ضرورة أن تحتل قضايا ضحايا الحرب والإصلاح القانوني موقعاً أساسياً في الحوار، مؤكداً أن الضحايا يجب أن تكون لهم مشاركة حقيقية في العملية، إلى جانب مراجعة الإطار القانوني المنظم للحياة العامة.

وأوضح أن دور اللجنة يتمثل في وضع الإطار العام للحوار، على أن تتولى المؤسسات المختصة لاحقاً استكماله وتحويل مخرجاته إلى سياسات وتشريعات.

الدعم الخارجي.. دون وصاية

وفي القراءة الدبلوماسية لمسار الحوار، يبرز اتجاه يقوم على الفصل بين الدعم الدولي للحوار وإدارة الحوار من الخارج؛ إذ يمكن للدول والمنظمات الإقليمية والدولية تقديم الدعم الفني والسياسي واللوجستي، والمساعدة في تهيئة المناخ، دون أن تتحول إلى طرف يفرض أجندة أو يحدد شكل التسوية.

 

ويعكس هذا الطرح محاولة للجمع بين مطلبين متلازمين: الحفاظ على ملكية السودانيين للعملية السياسية، والاستفادة في الوقت ذاته من الدعم الدولي اللازم لإنجاحها، خصوصاً في ملفات وقف الحرب وإعادة الإعمار والمساعدات الإنسانية وبناء المؤسسات.

 

ويرى مراقبون أن التحدي الأكبر أمام الحوار السوداني لا يتمثل فقط في نقل العملية من العواصم الخارجية إلى الداخل، وإنما في قدرته على بناء توافق حقيقي بين القوى السياسية والمجتمعية، وضمان مشاركة المتضررين من الحرب والنازحين واللاجئين والشباب والنساء، إلى جانب معالجة قضايا العدالة والإصلاح المؤسسي.

 

من المبادرات الخارجية إلى المسار الوطني

 

وتأتي هذه التحولات بعد أكثر من ثلاثة أعوام على اندلاع الحرب، شهدت خلالها الساحة السودانية مبادرات ومسارات تفاوضية متعددة برعاية أطراف إقليمية ودولية، من دون أن تنجح في وضع حد نهائي للنزاع.

 

ومع طرح الحكومة الحوار السوداني–السوداني باعتباره المسار المفضل لإنهاء الأزمة، تتجه الأنظار إلى قدرة لجنة تهيئة الحوار على تحويل هذا التوجه إلى عملية سياسية واسعة، تحظى بالقبول الداخلي وتستفيد من الدعم الخارجي دون أن تخضع له.

 

ويبقى نجاح المسار مرهوناً بمدى قدرة الأطراف السودانية على تجاوز الاستقطاب، والاتفاق على قواعد واضحة للحوار، وضمان مشاركة واسعة، وصولاً إلى تسوية سياسية تعالج جذور الأزمة ولا تكتفي بوقف القتال.

 

وبينما تبدو «سودنة» الحوار عنواناً رئيسياً للمرحلة المقبلة، يبقى السؤال الأهم: هل يستطيع الحوار السوداني أن يتحول من فكرة تحظى بالتأييد إلى مسار سياسي قادر فعلاً على إنهاء الحرب ومعالجة جذور الأزمة؟

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى