
ورشة بالخرطوم تدعو لبناء أحزاب ديمقراطية وإنهاء احتكار القيادة وضبط التمويل.. وخبراء يشددون على تهيئة البيئة السياسية لصناعة القانون من القاعدة إلى القمة
في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى إعادة ترتيب المشهد السياسي السوداني وتهيئة الأرضية لحوار وطني يستوعب تعقيدات الأزمة الراهنة، يعود إصلاح قانون الأحزاب السياسية إلى واجهة النقاش، ليس باعتباره استحقاقاً تشريعياً فحسب، وإنما بوصفه أحد المداخل الضرورية لإعادة بناء الحياة السياسية وتهيئة القوى الحزبية للمشاركة في حوار سوداني–سوداني يتجاوز صراعات السلطة والمحاصصات إلى معالجة جذور الأزمة الوطنية.
وفي هذا السياق، انطلقت صباح السبت، بالفندق الكبير في الخرطوم، أعمال الجلسة الافتتاحية لورشة إصلاح قانون الأحزاب السياسية لسنة 2007، التي ينظمها مجلس شؤون الأحزاب السياسية برعاية مجلس السيادة الانتقالي، تحت شعار «إصلاح قانون 2007 خطوة استراتيجية نحو تمكين العمل الحزبي»، وتستمر أعمالها حتى الأول من نوفمبر، بمشاركة مسؤولين حكوميين ورؤساء أحزاب سياسية وخبراء قانونيين وأكاديميين ومختصين.

وتأتي الورشة، التي تقودها رئيسة مجلس شؤون الأحزاب السياسية ومسجل الأحزاب الدكتورة ليلى عثمان إبراهيم، في ظل تساؤلات متجددة حول مستقبل الأحزاب ودورها في المرحلة المقبلة، ومدى قدرتها على تجاوز أزماتها التنظيمية والفكرية، والانتقال إلى مؤسسات سياسية قادرة على الإسهام في صناعة التوافق الوطني.
إصلاح الأدوات اولا
وفي الجلسة الافتتاحية، أكد وزير ديوان الحكم الاتحادي والتنمية الريفية المهندس محمد كرتكيلا صالح، في كلمة ألقاها نيابة عن رئيس مجلس الوزراء الدكتور كامل إدريس، أن الورشة تكتسب أهمية بالغة في مرحلة مفصلية من تاريخ السودان، باعتبار أن الأحزاب السياسية تمثل الأدوات الرئيسية للعمل السياسي، ولها دور متقدم في تأسيس الديمقراطية والحفاظ عليها.

وأشار إلى أن التجربة السودانية كشفت عن أن هشاشة البناء المؤسسي لبعض الأحزاب، وغياب الممارسة الديمقراطية داخلها، كانا من أبرز العوامل التي أعاقت تطور الممارسة الديمقراطية واستدامتها، الأمر الذي يجعل إعادة بناء الأحزاب على أسس سليمة واجباً وطنياً.
وشدد كرتكيلا على أن الحديث عن الديمقراطية والتعددية والتداول السلمي للسلطة لا يمكن أن يستقيم دون إصلاح الأدوات التي تمارس من خلالها هذه القيم، وفي مقدمتها الأحزاب السياسية، بما يعزز قدرتها على أداء دورها في أي عملية سياسية مقبلة.
القانون لا يُصاغ بمعزل عن الأحزاب
من جانبها، وضعت رئيسة مجلس شؤون الأحزاب السياسية الدكتورة ليلى عثمان إبراهيم ملامح رؤية المجلس للإصلاح، مؤكدة أن القانون الجديد لا ينبغي أن يُصاغ بمعزل عن الأحزاب وأصحاب المصلحة، وأن الورشة تمثل منصة للتشاور الواسع وإبداء الرأي وصولاً إلى قانون واقعي وعادل يُصنع بصورة تشاركية لا أحادية.

وحددت ليلى محاور الإصلاح في ترسيخ الممارسة الديمقراطية والشورى والتداول السلمي للقيادة داخل الحزب الواحد، وضبط الموارد المالية، ووضع آليات رقابية تحول دون الفساد أو الاستقطاب الخارجي، إلى جانب إرساء معايير قانونية واضحة لتأسيس الأحزاب وهياكلها القيادية.
كما دعت إلى توسيع فرص مشاركة المرأة والشباب في مواقع القيادة، مؤكدة أن إصلاح النصوص القانونية وحده لا يكفي ما لم تصاحبه مراجعة للممارسة الحزبية وبناء مؤسسي وفكري وتنظيمي وجماهيري متماسك.
ولفتت إلى أهمية برامج التدريب والتأهيل المستمرة، وإنشاء مركز متخصص لتطوير قدرات الأحزاب، بما يساعدها على ممارسة العمل الديمقراطي بصورة مؤسسية ومستدامة.
وفي جانب آخر، طرحت ليلى مسألة التحول الرقمي باعتبارها من متطلبات الإصلاح المؤسسي، مشيرة إلى ما تعرض له المجلس من خسائر خلال الحرب، طالت سجلاته وأرشيفه، ومعلنة توجهه للتعاون مع وزارة الاتصالات وجهات أخرى لإنشاء قواعد بيانات وأنظمة للأرشفة الإلكترونية تحفظ الوثائق وتضمن استمرارية العمل المؤسسي.
إعادة بناء ألاحزاب
وفي مداخلته، استعرض وزير العدل الأسبق محمد بشارة دوسة جوانب من تجربة العمل مع الأحزاب السياسية، مشيراً إلى أن التنسيق معها في مجالات التسجيل والتنظيم ظل من المهام الأساسية لمجلس شؤون الأحزاب، باعتبار أن تنظيم العمل الحزبي وإخضاعه لإطار قانوني يمثلان منطلقاً أساسياً لبناء مؤسسات سياسية فاعلة.
وأكد أن الورشة تمثل امتداداً لنقاشات وتجارب سابقة حول مستقبل الأحزاب، والحاجة إلى إعادة صياغة بنيتها بما يجعلها أكثر قوة وقدرة على الاستجابة لمتطلبات المرحلة المقبلة.
وأشار إلى أن المطلوب ليس مجرد وجود أحزاب مسجلة، وإنما بناء مؤسسات سياسية قوية تمتلك هياكل تنظيمية وموارد مالية وقدرات تمكنها من ممارسة دورها الوطني والاستعداد للمشاركة في الحوار السوداني–السوداني، بما يتيح معالجة القضايا الوطنية عبر مشاركة سياسية واسعة ومسؤولة.
الحوار يبدأ من القاعدة إلى القمة
وفي سياق أكثر ارتباطاً بمستقبل الحوار السوداني – السوداني ، استعاد عميد كلية القانون بجامعة الخرطوم البروفيسور الطيب مركز مخرجات الورشة السابقة التي انعقدت في بورتسودان عام 2025، موضحاً أنها تناولت جملة من القضايا المتعلقة بطبيعة الأحزاب الوطنية المطلوبة، ودورها في ظل الظروف التاريخية والسياسية التي يمر بها السودان.
وقال إن التجربة السودانية، وما أفرزته اتفاقية السلام الشامل من نقاشات حول طبيعة العمل الحزبي، تفرض ضرورة قيام أحزاب وطنية تتسم بالشفافية في ممارساتها، وتبتعد عن الجهوية، وتكون مستعدة للدخول في حوار يعالج القضايا الوطنية دون إقصاء.
وشدد مركز على أن تهيئة البيئة المناسبة للحوار السوداني–السوداني مسؤولية تقع على عاتق الدولة، وأن هذا الحوار ينبغي أن يكون مفتوحاً لمناقشة مختلف القضايا، بما فيها قانون الأحزاب السياسية وقانون الانتخابات، باعتبارهما من التشريعات التي تحتاج إلى صناعة تشاركية تبدأ من القاعدة وتصعد إلى القمة، لا أن تُفرض من أعلى.
وأوضح أن المخرجات التي سُلّمت في وقت سابق إلى ممثل مجلس السيادة طُرحت أمام الأحزاب تمهيداً للتداول بشأنها في ورش لاحقة، مشيراً إلى أن تهيئة المناخ الملائم للحوار تمثل مدخلاً أساسياً لأي عملية إصلاح سياسي حقيقية.
ولفت إلى أن نجاح المجلس في أداء مهامه يتطلب توفير الإمكانات المؤسسية اللازمة، بما في ذلك المقر والأمانة العامة والتمويل، حتى يتمكن من فتح أبوابه للأحزاب وتسهيل التواصل والتفاكر معها.
وتوقف عند العدد الكبير للأحزاب السياسية المسجلة في السودان، والذي يتجاوز المئة، معتبراً أن حالة التشظي والتكاثر الحزبي تستدعي مراجعة جادة، لا سيما أن بعض الأحزاب تعاني الانقسام والتشرذم دون أن تكون الخلافات بينها بالضرورة خلافات فكرية أو برامجية حقيقية.
وأكد أن الإصلاح الداخلي للأحزاب يمثل ضرورة، إلى جانب إرساء الشفافية في التمويل، وتطوير آليات التواصل بين المجلس والأحزاب، وإنشاء قاعدة بيانات وسجل متاحين للمعلومات، بما يعزز التنظيم المؤسسي ويحد من الفوضى في الممارسة الحزبية.
مقارنة تشريعية ودعوات لدعم الاحزاب
وشهدت الورشة تقديم ورقة عمل تناولت مقارنة بين قوانين الأحزاب السياسية في عدد من الدول ذات التجارب والظروف المتشابهة، بهدف الاستفادة من النماذج التشريعية المختلفة في تطوير الإطار القانوني السوداني.
وركزت المناقشات على أهمية ألا يقتصر الإصلاح على تعديل مواد قانون 2007، وإنما يمتد إلى توفير البيئة المؤسسية والموارد التي تساعد الأحزاب على أداء وظائفها، وتعزيز التنسيق بينها وبين مجلس شؤون الأحزاب السياسية، إلى جانب تطوير آليات التسجيل والرقابة والشفافية.
واتفق المتحدثون على أن نجاح الحوار السوداني –السوداني لا يتحقق بمجرد الدعوة إلى انعقاده، وإنما يتطلب وجود قوى سياسية مؤهلة، تستند إلى مؤسسات ديمقراطية راسخة وقواعد جماهيرية وبرامج واضحة، وقادرة على التعبير عن تطلعات المواطنين والإسهام في معالجة تداعيات الحرب وأسباب الأزمة الوطنية.
وأكدوا أن إصلاح قانون الأحزاب يتجاوز مجرد تعديل النصوص التشريعية، ليمتد إلى إعادة تشكيل الحياة السياسية على أسس مؤسسية وبرامجية، تضمن التداول الديمقراطي للقيادة وتجدد الممارسة الحزبية، وتضع حداً لأزمات الانقسام واحتكار القرار داخل الأحزاب.
وفي هذا السياق، يبرز إصلاح القانون باعتباره اختباراً لمدى قدرة الدولة والقوى السياسية على الانتقال من إدارة الخلافات إلى بناء أرضية مشتركة للحوار، ومن التنافس على السلطة إلى التوافق حول مستقبل البلاد، بما يؤسس لحوار سوداني–سوداني واسع يبدأ من القواعد المجتمعية ويعكس تطلعات السودانيين، ولا يقتصر على تفاهمات القيادات السياسية.



