تقارير

شراكة أوروعربية–فرنسية لدعم التدريب والتحول الرقمي في السودان

متابعات :شارع النيل نيوز

في خطوة تفتح نافذة جديدة أمام السودان نحو شبكات المعرفة والخبرة الدولية وقّع رئيس مجلس الإدارة والمدير العام لشركة الفكر العلمي للحلول التعليمية وتكنولوجيا المعلومات الأستاذ هشام محمد الحسن اتفاقية تعاون وشراكة استراتيجية مع الاتحاد الأوروعربي للجيوماتيك والجمعية الفرنسية للتبادل العلمي والثقافي والاقتصادي فيما وقّع عن الجانب الأوروعربي–الفرنسي البروفيسور محمد العياري رئيس الاتحاد الأوروعربي للجيوماتيك ورئيس الجمعية الفرنسية للتبادل العلمي والثقافي والاقتصادي.

وتتجاوز الاتفاقية مفهوم التعاون التقليدي إلى تأسيس مسار مؤسسي يجمع بين التدريب وبناء القدرات والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي والتعليم الذكي والجيوماتيك والبحث العلمي وتطوير الأعمال والاستثمار في إطار يستهدف تحويل المعرفة والخبرات والعلاقات الدولية إلى برامج ومشروعات قابلة للتنفيذ والتوسع والاستدامة.

وتأتي هذه الشراكة في توقيت يحمل دلالات خاصة بالنسبة للسودان إذ لم تعد معركة إعادة البناء مرتبطة فقط بإعادة تأهيل المنشآت والبنية التحتية وإنما أصبحت مرتبطة بالقدر نفسه بإعادة بناء القدرة البشرية والمؤسسية وتأهيل الكوادر القادرة على إدارة مؤسسات أكثر تطورًا واقتصاد أكثر اتصالًا بالمعرفة والتكنولوجيا.

 

التدريب.. الاستثمار الأول في مستقبل التحول

ويحتل التدريب والتأهيل وبناء القدرات موقعًا متقدمًا في الاتفاقية انطلاقًا من رؤية تعتبر أن التحول الرقمي لا يبدأ بالمنصات والأنظمة بل بالإنسان القادر على إدارتها وتطويرها وتوظيفها بكفاءة.

وتشمل الشراكة تصميم وتنفيذ برامج تدريبية حضورية وعن بُعد في مجالات الذكاء الاصطناعي والروبوتيك والتحول الرقمي والجيوماتيك وإدارة المشروعات وتطوير الأعمال والمهارات الرقمية والتقنيات الحديثة.

وهو توجه ينقل مفهوم التدريب من نطاق الدورات التقليدية إلى بناء منظومة أكثر ارتباطًا باحتياجات المؤسسات وسوق العمل بحيث يصبح التأهيل المهني جزءًا من عملية التطوير المؤسسي نفسها وأداة لنقل المعرفة وتوطين الخبرة وتقليل الاعتماد على الحلول والخبرات الخارجية على المدى الطويل.

كما تمنح الاتفاقية الأطفال والشباب مساحة خاصة من خلال تطوير برامج ومشروعات في الذكاء الاصطناعي والروبوتيك والبرمجة والابتكار وريادة الأعمال والعلوم والتكنولوجيا مع إمكانية إنشاء وتطوير وتشغيل مراكز وأكاديميات ومنصات تعليمية وتدريبية متخصصة.

ويكتسب هذا المسار أهميته من كونه استثمارًا بعيد المدى في جيل لا يكتفي باستخدام التكنولوجيا وإنما يمتلك أدوات فهمها وتطويرها والمنافسة من خلالها في اقتصاد عالمي تتراجع فيه الوظائف التقليدية لصالح المعرفة والمهارات الرقمية والابتكار.

 

السودان في قلب الشراكة

ولا تتعامل الاتفاقية مع السودان كسوق ضمن نطاق جغرافي واسع فحسب بل تمنحه موقعًا خاصًا في هيكل الشراكة بعدما حصلت شركة الفكر العلمي على حق التمثيل والتعاون الحصري داخل جمهورية السودان في المجالات المحددة بالاتفاقية وفي مقدمتها التدريب والتأهيل وبناء القدرات في مجال التحول الرقمي والتعليم الرقمي والذكي والتعليم التفاعلي والتكيفي والذكاء الاصطناعي وتصميم وتنفيذ مشروعات التحول الرقمي والمنصات الإلكترونية والأنظمة والبرمجيات والخدمات الرقمية والأتمتة والتحول المؤسسي.

وبهذا الإطار تصبح شركة الفكر العلمي حلقة وصل مؤسسية لتطوير واستقطاب المشروعات والفرص داخل السودان بالتنسيق مع شركائها الدوليين وفتح قنوات التعاون مع الوزارات والهيئات الحكومية والجامعات والمؤسسات التعليمية والتدريبية والشركات والبنوك والمنظمات والجهات المانحة والمستثمرين وصناديق الاستثمار.

وتمنح هذه الصيغة الشراكة بعدًا يتجاوز تقديم الخدمات التقنية إلى بناء جسر بين الاحتياجات السودانية ومصادر الخبرة والمعرفة والتمويل الدولية بما يسمح بتطوير مبادرات أكثر قدرة على الانتقال من مرحلة الفكرة إلى الدراسة ثم التمويل والتنفيذ.

 

إعادة الإعمار تبدأ من بناء القدرات

في مرحلة ما بعد الحرب لن يكون التحدي أمام السودان مجرد استعادة ما فقده بقدر ما سيكون في الكيفية التي سيعيد بها بناء مؤسساته.

فالعودة إلى الأنظمة والأساليب القديمة لن تكون كافية في عالم تتغير فيه نماذج الإدارة والخدمات بوتيرة غير مسبوقة. ومن هنا تبرز فرصة أن تكون إعادة الإعمار مدخلًا إلى تحول مؤسسي أوسع يقوم على الرقمنة والأتمتة وتحليل البيانات والذكاء الاصطناعي بالتوازي مع بناء الإنسان القادر على قيادة هذا التحول.

وفي هذا السياق يمكن أن تشكل برامج التدريب أحد أسرع مسارات الشراكة وأكثرها تأثيرًا عبر استهداف القيادات التنفيذية والكوادر الحكومية والإدارية والتقنية والعاملين في القطاعات المصرفية والتأمينية والتعليمية والصحية والصناعية إلى جانب طلاب الجامعات والخريجين ورواد الأعمال.

فالرهان هنا ليس على عدد البرامج التدريبية وإنما على قدرتها على إحداث تحول في كفاءة الموارد البشرية وربط المهارات بالمشروعات والوظائف والاحتياجات الفعلية للاقتصاد.

 

التعليم والتقنية.. منظومة واحدة

ويمتد التعاون إلى تطوير الأنظمة والمنصات الرقمية وتطبيقات الويب والهاتف المحمول والخدمات الإلكترونية وقواعد البيانات والأتمتة إلى جانب حلول الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات وتوظيفها في المجالات التعليمية والإدارية والاقتصادية والخدمية.

وفي التعليم تفتح الاتفاقية المجال أمام تطوير منظومات التعليم الإلكتروني والذكي والمنصات التعليمية والمحتوى الرقمي والكتب الإلكترونية التفاعلية والتكيفية والمكتبات الرقمية والاختبارات والتقييم الإلكتروني والتحليلات التعليمية مع إمكانية تطوير مشروعات مشتركة تستفيد من الحلول والخبرات المرتبطة بمنصة Interact Learn التابعة لشركة الفكر العلمي.

وهذا المسار يمكن أن يمنح السودان فرصة لإعادة التفكير في منظومته التعليمية وفق نماذج أكثر مرونة تتجاوز حدود المكان وتوسع فرص الوصول إلى التعليم والتدريب وتستخدم البيانات والتقنيات الحديثة لتحسين جودة التعلم وقياس الأداء.

 

الجيوماتيك.. التكنولوجيا في خدمة إعادة البناء

ويشكل الجيوماتيك بعدًا آخر ذا أهمية استراتيجية في الاتفاقية إذ يشمل التعاون نظم المعلومات الجغرافية والاستشعار عن بُعد والخرائط الرقمية والبيانات المكانية والمدن الذكية وإدارة الموارد الطبيعية والمياه والزراعة والتخطيط الحضري والإقليمي.

وتكتسب هذه التطبيقات أهمية مضاعفة في بلد بحجم السودان وتنوع موارده إذ يمكن أن تلعب دورًا مباشرًا في التخطيط لإعادة الإعمار وإدارة الأراضي والموارد وتطوير المدن والبنية التحتية ودعم الزراعة وإدارة المياه وتوفير بيانات أكثر دقة لصناع القرار.

وعند دمج التقنيات الجيومكانية بالذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات تصبح التكنولوجيا أداة للتنمية والتخطيط وإدارة الموارد وليست مجرد مجال تقني منفصل.

 

من المعرفة إلى الاستثمار

ولا تقف الاتفاقية عند حدود التدريب والتكنولوجيا بل تربطهما بمسار اقتصادي واستثماري يشمل دراسة وتطوير المشروعات وإعداد نماذج الأعمال ودراسات الجدوى وتحديد الفرص الاستثمارية وبناء التحالفات واستقطاب المستثمرين وربط المشروعات بمصادر التمويل ورؤوس الأموال وتطوير الشراكات بين القطاعين العام والخاص.

وهنا تتضح إحدى أهم نقاط القوة في هذه الشراكة إذ لا تُطرح المعرفة بمعزل عن التطبيق ولا التقنية بمعزل عن الاستثمار وإنما ضمن سلسلة تبدأ بالتأهيل وبناء القدرات ثم تطوير الحلول والمشروعات وصولًا إلى التمويل والتنفيذ والاستدامة.

وهي معادلة يحتاجها السودان بشدة في مرحلة إعادة البناء حيث تتطلب المشروعات الكبرى أكثر من مجرد الأفكار. تحتاج إلى دراسات قابلة للتمويل وشركاء وكفاءات إدارية وتقنية ونماذج أعمال قادرة على الاستمرار.

 

الشراكة الحقيقية تبدأ بعد التوقيع

وتضع الاتفاقية آليات واضحة للانتقال إلى التنفيذ عبر تشكيل فريق تنسيق مشترك وتحديد المشروعات والبرامج ذات الأولوية وإعداد خطط العمل والدراسات الفنية والمالية وتحديد مسؤوليات الأطراف وإبرام اتفاقيات أو ملاحق تنفيذية مستقلة للمشروعات التي تستوجب ترتيبات خاصة.

 

ومن هنا يبدأ الاختبار الحقيقي.

فقيمة الاتفاقية لن تقاس بمراسم توقيعها وإنما بما تستطيع أن تحوله إلى كفاءات مؤهلة وبرامج تدريب نوعية ومؤسسات أكثر كفاءة ومنصات وأنظمة قابلة للتشغيل ومشروعات قادرة على جذب الاستثمار وتحقيق أثر مستدام.

وفي بلد يقف أمام تحدي إعادة البناء يمكن لهذه الشراكة أن تفتح مسارًا مختلفًا. مسارًا لا ينظر إلى التكنولوجيا باعتبارها غاية في ذاتها بل أداة لإعادة بناء الإنسان والمؤسسة والاقتصاد.

فإعادة الإعمار الحقيقية لا تبدأ بالحجر وحده وإنما ببناء الإنسان القادر على إدارة ما يُبنى. والتدريب ليس نشاطًا هامشيًا في رحلة التحول بل بوابتها الأولى. والتحول الرقمي ليس مجرد انتقال إلى الشاشة بل إعادة صياغة لكيفية عمل المؤسسات. أما الاستثمار فهو الجسر الذي يحوّل المعرفة والتقنية من طموح إلى مشروع ومن مشروع إلى أثر مستدام.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى