التجارة مع مصر… والفاتورة الغائبة عن الخزينة

بقلم: وليد دليل – خبير مصرفي
رقم 1.87 مليار دولار، حجم التجارة بين السودان ومصر خلال النصف الأول من 2026، يبدو للوهلة الأولى قصة نجاح اقتصادي وسط حرب. مصر تحولت خلال ستة أشهر إلى أكبر شريك تجاري للسودان، والميزان التجاري السوداني معها انقلب من عجز مزمن استمر خمس سنوات متتالية إلى فائض يقارب 136 مليون دولار. لكن من يقرأ هذا الرقم بعين مصرفية، لا بعين إحصائية، يكتشف أن القصة الحقيقية ليست فيما دخل دفاتر بنك السودان المركزي وجمارك الحدود، بل فيما لم يدخلها أصلاً. وفي هذا السياق جاء تقرير الصحفي أحمد بن عمر المنشور في شبكة “أتر” بعنوان “حول الشراكة التجارية بين السودان ومصر: تجارة أم نفوذ؟” ليضع اليد على الجرح، مبنياً على تقارير الخارجية والجمارك ومؤكداً أن الفاتورة المعلنة، مهما بدت كبيرة، هي الجزء الظاهر من اقتصاد يتحرك أغلبه اليوم خارج نطاق الرقابة الضريبية والجمركية معاً.
أول ما يلفت الانتباه هنا هو الفجوة بين ما يسجله الجانب السوداني وما يسجله الجانب المصري نفسه عن الحجم الحقيقي لهذه العلاقة، وهي ظاهرة يعرفها خبراء التجارة الدولية باسم “إحصاءات المرآة”، حيث يفترض منطقياً أن رقم صادرات بلد إلى آخر يقارب رقم واردات ذلك البلد منه، فإن اتساع الفجوة بينهما يكشف عن حركة سلع أو أموال لا تمر عبر القنوات الرسمية في أحد الطرفين. وبيانات الجهاز المركزي المصري للتعبئة العامة والإحصاء تسجل أن إجمالي التبادل التجاري بين البلدين خلال الأشهر العشرة الأولى من 2025 بلغ نحو 985.2 مليون دولار فقط، بالكاد تحرك عن 984.9 مليون دولار في الفترة المقابلة من 2024، بينما لم تتجاوز واردات مصر المسجلة من السودان خلال نفس الأشهر العشرة أكثر من 225 مليون دولار، بل إنها تراجعت 13.9 بالمائة عن العام السابق. قارن هذا بما يعلنه الجانب السوداني عن صادراته وحدها إلى مصر خلال ستة أشهر فقط من 2026، وهو ما يتجاوز مليار دولار، تدرك حجم الفجوة بين الروايتين. صحيح أن الفترتين ليستا متطابقتين زمنياً، وصحيح أن جزءاً من الفارق تفسره القفزة الفعلية التي شهدتها الأشهر الأخيرة، لكن حجم التباين نفسه، وتوقيته المتزامن مع صعود صادرات الذهب تحديداً، يشير بقوة إلى أن جزءاً كبيراً مما يسجله السودان كصادرات ذهب إلى مصر لا يظهر بالمقابل في السجل الرسمي المصري بالقيمة أو التصنيف ذاته، وهو بالضبط النوع من الفجوات الذي تستخدمه مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي في تقدير حجم التلاعب بفواتير التجارة وتهريب رؤوس الأموال بين الدول.
الذهب يبقى المفتاح لفهم هذه الفجوة. فهو يمثل تسعين بالمائة تقريباً من صادرات السودان المسجلة إلى مصر، بقيمة تناهز 901 مليون دولار خلال النصف الأول من العام. رقم مبهر على الورق، لكنه يتضاءل أمام حجم الفاقد الفعلي لهذا المعدن. فوزير المالية نفسه أقر بأن إنتاج السودان من الذهب يتجاوز 199 طناً سنوياً بقيمة تفوق 26 مليار دولار، بينما لم تتجاوز الصادرات الرسمية المسجلة حتى سبتمبر 2025 أكثر من 909.5 مليون دولار فقط. الفارق بين هذين الرقمين ليس هامش خطأ إحصائي، إنه اقتصاد كامل يعمل بالتوازي، خارج ميزان المدفوعات وخارج أي حصيلة ضريبية أو جمركية. وحين تتذكر أن نسبة الذهب الذي كانت الدولة تسيطر عليه رسمياً بلغت تسعة وتسعين بالمائة في عام 2020، ثم تراجعت إلى اثنين وعشرين بالمائة فقط بحلول سبتمبر 2025، تدرك أن ما يصل إلى القاهرة عبر القنوات النظامية ليس إلا الجزء الذي اختار أصحابه تسجيله، بينما البقية تسلك طرقاً أخرى، تحسب خسارة مباشرة للخزينة العامة تقدر بنحو ثمانية عشر مليار دولار سنوياً، أي ما يعادل ثلاثة أضعاف تقريباً كامل الإيرادات التي بنيت عليها موازنة الدولة لعام 2026.
اللافت أن هذه العلاقة بين الذهب والوقود لم تعد مجرد ظاهرة سوقية تنشأ عفوياً بين التجار، بل تحولت إلى سياسة رسمية معلنة، بعدما أعلن بنك السودان المركزي اعتماد آلية “الذهب مقابل الوقود”، التي تمنح الشركات حق استيراد المحروقات مقابل توريد الذهب. حين يتحول هذا التبادل من ممارسة سوقية إلى آلية بنكية معتمدة من السلطة النقدية العليا، فإن المسألة تتجاوز فقدان حصيلة جمركية عابرة إلى تكريس مؤسسي لمقايضة الأصل الاستراتيجي الناضب بالسلعة الاستهلاكية اليومية، وهو ما يجعل جزءاً من قيمة الذهب يتجه مباشرة إلى تمويل الاستيراد دون أن يمر أصلاً بمسار يتيح فرض الضريبة أو الرسم عليه بالشكل الذي تفرضه المعاملات التجارية التقليدية.
جانب الوقود يحمل مشكلة من نوع مختلف، أقرب إلى التسعير منها إلى الاختفاء الكامل. فالمنتجات البترولية القادمة من مصر بلغت 511.8 مليون دولار خلال النصف الأول من العام، لكن جزءاً موثقاً من هذه الشحنات وقود روسي المنشأ، يعاد تصديره عبر الموانئ المصرية بمستندات منشأ مصرية، بعد عمليات نقل من سفينة إلى أخرى قبالة السواحل، وتسوى مدفوعاته مع شركات روسية في الإمارات بالدرهم. حين تدخل هذه الشحنة إلى السودان مصنفة جمركياً كمنتج مصري، بينما قيمتها الحقيقية وسلسلة الوساطة التي مرت بها تبقى غامضة، فإن قاعدة تقييم القيمة الجمركية نفسها تصبح موضع شك، وأي فارق بين السعر المعلن والسعر الفعلي للشحنة هو فاقد جمركي مباشر، حتى لو ظلت الشحنة نفسها مسجلة بالكامل على الورق.
الحظر الذي فرضته الحكومة في أبريل 2026 على استيراد ست وأربعين سلعة، بذريعة خفض الطلب على النقد الأجنبي، زاد الطين بلة بدلاً من أن يعالجه. فبدل أن يحمي الحظر إنتاجاً محلياً شبه متوقف أصلاً بفعل الحرب، دفع التجار إلى تعويض النقص عبر المسارات الحدودية غير الرسمية مع مصر، وهي حركة تنتقل بطبيعتها من دائرة الضريبة والجمرك إلى دائرة لا يعرف حجمها أحد بدقة، لكنها تترك أثرها في ارتفاع الأسعار وتراجع الإيرادات الجمركية في آن واحد. وكل سلعة تدخل عبر هذا الطريق هي عملياً معاملة تجارية كاملة تمت دون أن تدفع فيها ريالاً جمركياً واحد، ودون أن تظهر في أي رقم من الأرقام التي تحتفل بها التقارير عن ازدهار العلاقة مع القاهرة.
موازنة 2026 نفسها بنيت على افتراض متفائل، هو استمرار تحسن حصيلة الدولة عبر ضبط التهرب الضريبي وخفض التهرب الجمركي، استكمالاً لإجراءات كانت قد بدأت قبل الحرب بإدخال أجهزة السكانر وتعزيز الجباية. لكن هذا الافتراض يصطدم بواقع أن القسم الأكبر من إيرادات الدولة مرتبط مباشرة بحركة التجارة والاستيراد، وأن جزءاً متعاظماً من هذه الحركة، كما تكشفه فجوة الإحصاءات بين الخرطوم والقاهرة، وملف الذهب والوقود والسلع الحدودية مجتمعة، يجري اليوم في مساحة رمادية لا تصل إليها لا مأمورية الضرائب ولا نقطة التفتيش الجمركي.
القراءة المصرفية لهذا الملف، كما أكد تقرير أحمد بن عمر في شبكة “أتر”، تقود إلى خلاصة مختلفة عن العنوان المتفائل الذي توحي به أرقام التجارة الثنائية. فالمسألة ليست فقط من هو الشريك التجاري الأول للسودان، بل كم من قيمة هذه الشراكة يصل فعلاً إلى خزينة الدولة وجهازها المصرفي، وكم منها يتبخر في الطريق بين منجم الذهب وميناء بورسعيد، أو بين محطة تخزين الوقود قبالة السواحل المصرية ومنفذ الحدود الشمالي. وحتى تراجع هذه الفجوة، سيظل كل رقم قياسي في حجم التجارة مع مصر إنجازاً منقوص القيمة، يخفي وراءه فاتورة أكبر بكثير غابت عن الجمارك والضرائب قبل أن تصل إليهما أصلاً.



