الذهب: حين تتحول الرقمنة إلى سلاح ضد التهريب

الذهب: حين تتحول الرقمنة إلى سلاح ضد التهريب.
فيما أرى
عادل الباز
1
بقعة ضوء وسط الأزمة
توقعت أن يثير الخبر الذي نشرته الشركة السودانية للموارد المعدنية عاصفة من الاهتمام والإشادة؛ لأنه، في تقديري، يمثل واحدة من أكبر بقع الضوء وسط العتمة التي فرضتها الحرب. والحقيقة أن الأسبوع الماضي شهد أكثر من كوة ضوء في الأداء الحكومي والعسكري تستحق التأمل، وسأحاول في هذا المقال، وفي مقالات لاحقة، إلقاء الضوء على بعضها؛ حتى لا يستسلم الناس لليأس، أو يظنوا أن الظلام قد أحاط بكل شيء. لا… فما زال في هذا البلد نور، ويمكن لذلك الضوء أن يتسع إذا توفرت الإرادة وحسن الإدارة.
2
الأرقام ودلالاتها الاقتصادية
في المؤتمر الصحفي الذي عقده المدير العام للشركة السودانية للموارد المعدنية، محمد طاهر عمر، الأسبوع الماضي، أعلن أن حصائل صادرات الذهب خلال النصف الأول من العام الجاري بلغت نحو 1.1 مليار دولار، وهو رقم يمثل نحو 80% من إجمالي حصائل الصادرات التي تحققت خلال العام الماضي بأكمله. كما كشف أن الشركة حققت 111% من الربط الإنتاجي و111% من الربط الإيرادي خلال النصف الأول من العام.
هذه ليست مجرد أرقام للاستهلاك الإعلامي، وإنما مؤشرات اقتصادية شديدة الأهمية. فإذا استمرت الوتيرة الحالية، فمن المرجح أن تتجاوز إيرادات الذهب المستهدفات الواردة في الموازنة العامة، وهو ما يعني أن السياسات التي انتهجتها الشركة بدأت تؤتي ثمارها.
3
آليات الإصلاح وإعادة التنظيم
ولعل هذه النتائج تفسر، إلى حد بعيد، كيف استطاع بنك السودان المركزي المحافظة على تدفق العملات الحرة إلى الجهاز المصرفي طوال الشهر الماضي، من دون أن يتعرض لضغوط كبيرة كما توقع كثيرون. كما أنها تساعد في تفسير حالة الاستقرار النسبي التي شهدها سعر الصرف خلال الفترة الأخيرة. وإذا استمر الأداء بالمستوى نفسه، ونجحت قطاعات تصديرية أخرى في استعادة نشاطها، فقد نشهد لأول مرة استقرارًا ممتدًا في سوق النقد، وربما تراجعًا تدريجيًا في سعر الصرف.
يبقى السؤال الأهم: كيف تحققت هذه النتائج؟
الملمح الأول يتمثل في إعادة تنظيم قطاع التعدين بصورة شاملة، استنادًا إلى المصفوفة التي أُقرت قبل نحو خمسة أشهر. فقد شمل التنظيم التعدين الأهلي، وشركات معالجة الخام، وشركات الامتياز. ساعد وجود فرق ميدانية تابعة للشركة السودانية للموارد المعدنية في قطاع التعدين الأهلي بمناطق الإنتاج والأسواق المختلفة في متابعة سير العمل ومعالجة المشكلات فور وقوعها، الأمر الذي ساعد على انسياب الإنتاج من المناجم إلى الطواحين ثم إلى الأسواق بصورة أكثر انتظامًا.
وفي قطاع الشركات، لعبت الرقابة المباشرة على الإنتاج وحركة البيع دورًا مهمًا في الحد من الفاقد، كما أسهمت سياسة بنك السودان في شراء الذهب بأسعار تنافسية، وافقت عليها الشركات، في توجيه كميات أكبر من الإنتاج إلى خزائن البنك بدلًا من تسربها إلى الأسواق الموازية أو التهريب.
أما شركات الامتياز، فقد خضعت لمراجعات دقيقة كشفت عن ممارسات محاسبية أضرت بحقوق الدولة.
فبينما كانت الشركات ملتزمة بتوريد نصيب الحكومة العيني من الذهب، أظهرت المراجعات أن بعض الشركات كانت تضخم بند المصروفات بصورة غير مبررة لتقليل الأرباح الخاضعة للضرائب، وهو ما حرم الخزانة العامة من ملايين الدولارات. وقد بدأت الشركة في معالجة هذه الاختلالات وإغلاق منافذ التلاعب.
4
الرقمنة: الثورة التقنية في وجه التهريب
غير أن الإنجاز الأهم، في تقديري، هو الانطلاقة العملية لمشروع التحول الرقمي في قطاع الذهب.
فقد أعلنت الشركة استكمال مراحل مهمة من رقمنة العمليات الفنية والإدارية، وربطها بالمنصات القومية، إلى جانب تطبيق نظام إلكتروني لرصد وتتبع حركة الذهب وربطه بالإدارة العامة للسجل المدني، بما يعزز الحوكمة ويشدد الرقابة ويرفع كفاءة الأداء.
هذه الخطوة قد تبدو تقنية، لكنها في الحقيقة تمثل تحولًا استراتيجيًا في إدارة قطاع الذهب.
فالمنظومة الجديدة تقوم على تتبع الذهب منذ لحظة استخراجه وحتى تصديره أو بيعه داخل البلاد.
يصبح لكل منجم هوية، ولكل طاحونة سجل إلكتروني، ولكل كمية ذهب رقم تعريفي خاص بها.
وتوثق جميع مراحل التداول، مع تسجيل اسم المنتج، ورقمه الوطني، ووسيلة إثبات هويته، ووزن الذهب، وتاريخ الإنتاج، والجهة التي تسلمته.
وبذلك تستطيع الدولة، ولأول مرة، أن تعرف بدقة: كم أُنتج من الذهب؟ ومن الذي أنتجه؟ وأين انتقل؟ وهل بيع داخل السودان، أم صُدر، أم ما زال مخزنًا؟ وإذا كان مخزنًا، فمن يحتفظ به وبأي سند قانوني؟
خذ مثالًا بسيطًا: إذا وصل إلى سوق أبو حمد خمسون سبيكة، تزن مجتمعة 110 آلاف جرام، فإن النظام يسجل تاريخ وصولها، واسم مالكها، ورقمه الوطني، ووسيلة التعريف الخاصة به، والجهة التي استلمتها. وإذا اختار صاحبها الاحتفاظ بها، فإن ذلك أيضًا يصبح مسجلًا في قاعدة البيانات. أما إذا اختفت هذه الكمية من دون مسار قانوني واضح، فإن النظام يكشف ذلك فورًا، ويصبح من الممكن التعامل معها باعتبارها حالة تهريب أو مخالفة تستوجب المساءلة.
هنا تكمن القيمة الحقيقية للرقمنة.
فهي لا تعني مجرد استبدال الأوراق بالحواسيب، وإنما بناء منظومة رقابية متكاملة تجعل كل جرام ذهب قابلًا للتتبع، وتغلق المنافذ التي ظل يتسرب عبرها الذهب لعقود.
كما أن لهذه المنظومة آثارًا اقتصادية أوسع. فهي تزيد الإيرادات الحكومية عبر تقليل التهرب من الرسوم والضرائب والإتاوات، وتعزز حصائل الصادر، وتوفر بيانات لحظية تساعد الدولة على التخطيط واتخاذ القرار، وترفع مستوى الشفافية، وتحد من الفساد، وتحسن بيئة الاستثمار، وتدعم جهود مكافحة غسل الأموال والتهريب، فضلًا عن مواءمة قطاع التعدين مع المعايير الدولية لتتبع الذهب.
5
آفاق التحول الاقتصادي
وإذا نجحت هذه المنظومة في تقليص التهريب حتى بنسبة محدودة، فإن مئات الملايين من الدولارات التي كانت تغادر البلاد خارج القنوات الرسمية ستعود إلى الجهاز المصرفي، بما يعزز احتياطيات النقد الأجنبي ويدعم استقرار سعر الصرف.
لهذا أعتقد أن ما يجري في قطاع الذهب ليس مجرد نجاح إداري لشركة حكومية، بل قد يكون بداية تحول اقتصادي أوسع، إذا اكتمل المشروع، واستمرت الإرادة السياسية في دعمه، وأُحكمت الرقابة على تنفيذه. فالإصلاح الحقيقي يبدأ حين تعرف الدولة بدقة ماذا تملك، وأين توجد مواردها، وكيف تُدار. ويبدو أن السودان بدأ، أخيرًا، يخطو في هذا الاتجاه بفضل مجهودات الشركة السودانية للموارد المعدنية.
إن التحدي الحقيقي لا يكمن فقط في إطلاق هذه المنظومات الرقمية، بل في ضمان استمراريتها وتطويرها لتشمل كافة الموارد السيادية، مما يحول قطاع التعدين من مجرد مورد مالي إلى رافعة حقيقية للتنمية المستدامة في السودان
هذا أول خيط من الضوء.


