نافذة واحدة لتمويل الملايين: نحو نموذج وطني للتمويل الأصغر في المصارف السودانية

وليد دليل — خبير مصرفي
حين تفقد الأسر وظائفها وأسواقها ومخازنها، يصبح التمويل الأصغر أقرب جسر بين الإغاثة والإنتاج، لكن السودان يملك هذا الجسر على الورق أكثر مما يملكه على الأرض. فالأرقام الأممية تقول إن نحو 19.5 مليون سوداني يواجهون مستويات أزمة من انعدام الأمن الغذائي، ويقترب عدد النازحين داخلياً من تسعة ملايين، وإن الفقر المدقع بحسب البنك الدولي ارتفع من 48% في 2023 إلى 59% في 2025. وقد انكمش الناتج بحسب البنك نفسه 29.4% في 2023 و14% في 2024، وبلغ التضخم 170% في 2024 و111.5% في 2025، مع توقع تراجعه إلى 77.7% هذا العام. وهذه الشرائح لا تحتاج في معظمها إلى قروض كبيرة، وإنما إلى رأس مال صغير يشتري أداة حرفة أو بذوراً أو ماكينة خياطة، وإلى مصرف يقبل التعامل معها.
وقد فعل البنك المركزي ما يليه، فجعل 12% من محفظة كل مصرف التزاماً للتمويل الأصغر، ورفع السقوف في المنشور (6/2026)، فصارت من 14 إلى 16 مليون جنيه للزراعة، و13 إلى 15 للطاقة البديلة، و10 إلى 12 للصناعي والحرفي، و7 إلى 9 للتجاري والخدمي، و3 إلى 5 ملايين للقطاعات الأخرى، وبلغ سقف التمويل الصغير الفردي أو الجماعي 30 مليون جنيه. وكان سقف التمويل الأصغر للزراعة 400 ألف جنيه في منشور سابق ثم 8 ملايين في فبراير 2025، أي عشرين ضعفاً، ورغم ذلك بقيت النتائج دون المأمول. فقد أقر التقرير الوطني المقدم للأمم المتحدة، كما أوردتُ في مقالي عن الجدارة الائتمانية، بأن التمويل الأصغر لم يتجاوز 5% من محافظ المصارف، وسبق أن أعلن البنك المركزي أن المستغل من الحصة المخصصة لم يتجاوز 42%. وفي دارفور لم تتجاوز القروض 5,700 قرض، أي 1% من طلب مقدر بـ2.3 مليون عميل محتمل، ولم تبلغ حصة النساء سوى 23%. أما الشمول المالي فبلغت حيازة الحسابات 15.3% في 2014 ولا أرقام أحدث منشورة، بينما قاربت عالمياً 79% في مسح 2025. فالمشكلة ليست في السقف ولا في النسبة، وإنما في الطريق الذي يقطعه العميل بين حاجته وتمويلها.
وهذا الطريق مليء بالحواجز، أولها الجدارة الائتمانية بمعاييرها التقليدية. فالعميل الذي لم يفتح حساباً قط لا سجل له، ومن كان له سجل فقد وثائقه في الحرب، والمزارع والراعي والحرفي ليس لديهم عقارات مسجلة ولا دفاتر محاسبية ولا دخل منتظم. وقد أوضحتُ في تقرير سابق أن غياب السجل الائتماني لا يعني ضعف القدرة على السداد، وأن بيانات التمويل المتعثر في مؤسسات التمويل الأصغر، وقد بلغت نحو 8.6% في فترة سابقة، تشير إلى مخاطر أقل مما يُتصور. وثانيها كلفة التقييم قياساً بحجم القرض، إذ ترجع الدراسات المحلية عزوف المصارف عن استكمال الـ12% إلى ضعف العائد وارتفاع تكلفة التمويل وضعف الثقافة المصرفية لدى العملاء. وثالثها تشتت الجهات، فكل مصرف يطلب مستنداته ويجري دراسته ومتابعته على حدة، بينما يعمل ديوان الزكاة ومفوضية الأمان الاجتماعي ومصرف الادخار والتنمية الاجتماعية ومؤسسات التمويل الأصغر، كلٌّ في جزيرته، دون سجل يربط بياناتها. وقد رأينا في برنامج «ثمرات» كيف يدفع غياب سجل الأسر إلى دعم شامل يطال 80% من السكان فلا يستهدف أحداً، وكيف يبقى الرقم الوطني شرطاً لنيل الدعم بينما تغيب إحصاءات الفقراء. والتمويل الأصغر أشد حاجة إلى هذا السجل من الدعم نفسه، لأنه ينتظر السداد.
ومن هنا أقترح نموذجاً وطنياً قوامه «نافذة التمويل الأصغر الموحدة» في كل مصرف وفرع وتطبيق. فيقدّم العميل طلباً واحداً بنموذج وطني موحد، يقوم على ملف تعريف واحد معتمد على الهوية الرقمية وإجراءات التعرف الإلكتروني المبسطة للنازحين والعائدين، وهو ما يعالج فقدان المستندات. ثم يُربط الطلب تلقائياً بالسجل الاجتماعي الموحد الذي تعمل الوزارة على تطويره، وبنظام استعلام ائتماني يشمل المقترض الصغير ويتبادل البيانات بين المصارف ومؤسسات التمويل الأصغر وشركات الاتصالات. وتتحول التقييمات من الضمان العيني إلى أدوات تناسب الفئة: قياس التدفق النقدي بزيارة ميدانية، والضمان التضامني للمجموعات، والتمويل المتدرج الذي تزداد قيمته مع الالتزام فيُبنى السجل الائتماني تدريجياً، وبيانات المحافظ الإلكترونية وتطبيقات الدفع بعد استيفاء ضوابط حماية البيانات. وتُلحق بالنافذة ضمانات وكالة «تيسير» التي أُسست بقانون عام 2013 بحيث يتحمل جزء من المخاطر قبل قرار الموافقة لا بعده، وتُعرض قائمة وطنية بمنتجات التمويل مرتبطة بالسقوف، بمهلة موحدة للرد ومتابعة مشتركة تقيس السداد والأثر. كما يمكن ربط جزء من الزكاة والتمويل الاجتماعي بالنافذة لسد الفجوة بين رأس المال المطلوب وقدرة الأسرة على السداد، دون خلط بين المنحة والقرض.
ولهذا النموذج بذرة قائمة. ففي 15 أكتوبر دشن البنك المركزي في الولاية الشمالية محفظة بنحو 15 مليار جنيه بمشاركة خمسة مصارف تستهدف قرابة عشرة آلاف مستفيد، وتضمنها «تيسير»، أي بمتوسط يبلغ نحو 1.5 مليون جنيه للمستفيد، وهو أقل بكثير من السقوف، ما يعني أن المحفظة موجهة إلى صغار المنتجين فعلاً. ويستحق هذا النموذج التعميم عبر نافذة موحدة على بقية الولايات، بشرط نشر أدائه من نسب سداد وتعثر وعدد النساء والعائدين المستفيدين. والحسابات تكشف حجم الفرصة. فبرنامج الشراكة الذي أعلنه وزير التنمية البشرية لتوفير 22 ألف مشروع يحتاج، لو بلغ متوسط المشروع 1.5 مليون جنيه كما في الشمالية، إلى نحو 33 مليار جنيه، ولو بلغ 10 ملايين، وهو الحد الأدنى لسقف الصناعي والحرفي، إلى نحو 220 مليار جنيه، وكلا الرقمين دون ما قدمه ديوان الزكاة من تدخلات حتى نهاية أغسطس وبلغ 239 مليار جنيه، وهذه تقديرات توضيحية مني. أي أن المال موجود لو تحول من دعم يُستهلك إلى تمويل يتجدد. وفي الزراعة، التي يعمل فيها 80% من القوة العاملة وتسهم بنحو 31.8% من الناتج بحسب بنك السودان، أُنشئت في يوليو محفظة تتجاوز 3 تريليونات جنيه يتحمل المركزي 20% منها وتسهم المصارف بحد أدنى 5% لكل منها، فتكون النافذة الطريق الذي يوصل صغار المزارعين إليها. ويبقى للمصارف المتخصصة التي حدد المنشور (4/2026) رأس مالها بين 35 و55 مليار جنيه دورها كشريك متخصص داخل المنظومة.
ولا يمكن إغفال دور الشركاء الدوليين، وإن كان أثره على التمويل الأصغر المصرفي أقل مما يُظن، فمعظم ما يصل السودان منحٌ وتحويلات نقدية ومشروعات صمود لا خطوط ائتمان تمر عبر المصارف. فقد أقر البنك الدولي مشروع دعم الأسر الذي بلغ تمويله 400 مليون دولار، وتضمن مؤشراً لتسجيل المستفيدين في حسابات مصرفية أساسية، ثم صارت كلفته 420 مليون دولار بعد التمويل الإضافي، وهو موجه للتحويلات النقدية لا للإقراض. وطلبت الحكومة من البنك في أبريل 2025 منحة إضافية بـ50 مليون دولار لمشروع صمود المجتمعات، لتوسيع الإنتاج الزراعي وتحسين الري، ينفذها شركاء منهم برنامج الأغذية العالمي واليونيسف. وفي الطاقة يموّل البنك مشروع «أسينت-السودان» بمنحة قدرها 76.3 مليون دولار، بآلية التمويل القائم على النتائج لتمكين الشركات الخاصة، وهي آلية تصلح نموذجاً لتمويل الطاقة الشمسية للأسر المنتجة. أما بنك التنمية الأفريقي فخصص نحو 379.6 مليون دولار للمياه والصحة والزراعة خلال 2026–2028، وطالبت وزارة المالية في اللقاء نفسه بتقوية البنك الزراعي ليموّل صغار المنتجين. وأعلن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي تنفيذ مشروعات بقيمة 44 مليون دولار في 2024 مع توقع نحو 55.5 مليون في 2025، مع اهتمام بصغار المنتجين، ودرّب نحو 400 شخص في أربع ولايات بالشراكة مع مصرف الإبداع للتمويل الأصغر على نظام ضمان الائتمان والثقافة المالية. وقبل الحرب كان الصندوق الدولي للتنمية الزراعية قد موّل 21 مشروعاً ريفياً منذ 1978 بنحو 203.7 مليون دولار استفاد منها نحو 593 ألف أسرة، وتضمنت برامجه مكونات تمويل أصغر عبر مجموعات الادخار والائتمان ومبادرة البنك الزراعي للتمويل الأصغر. أما صندوق النقد الدولي فلم أجد له تمويلاً حالياً لهذا القطاع، فبرنامجه المراقب عام 2020 لا يتضمن مساعدة مالية، والسودان لا يستطيع الوصول إلى موارده بسبب المتأخرات، ويبقى دوره مرجعاً للسياسات الكلية لا ممولاً.
وتبين الأرقام أن ما يُوجَّه فعلاً لائتمان صغار المنتجين عبر المصارف ومؤسسات التمويل الأصغر متواضع قياساً بالحاجة. فقد أطلق البنك المركزي مبادرة بقيمة 33 مليون دولار لتمويل المشروعات متناهية الصغر والصغيرة والمتوسطة، تستهدف ثلاثة ملايين شخص، موزعة بواقع 50% للزراعة و30% للصناعة الصغيرة والحرف و20% للتجارة والخدمات، أي نحو 11 دولاراً للفرد لو وُزعت على المستهدفين جميعاً، وهو حساب توضيحي مني. وبذلك تقف الأموال الدولية على جانبين: مئات الملايين من المنح والتحويلات خارج القطاع المصرفي، وعشرات الملايين فقط للإقراض الأصغر. وهنا تأتي أهمية النافذة الموحدة بوصفها قناة تلتقي عندها الجهتان. فيمكن للشركاء أن يضعوا جزءاً من منحهم رأس مال لتحمل الخسارة الأولى في وكالة «تيسير»، فتتحمل المصارف مخاطر أقل، أو أن يعتمدوا آلية النتائج كما في مشروع الطاقة لتمويل الأسر المنتجة. ويمكن أن تصبح بيانات المستفيدين من التحويلات النقدية، وقد صارت لهم حسابات مصرفية، أساساً لتقييم ائتماني بديل، فتتحول أول دفعة نقدية إلى أول سجل ائتماني. وتساعد برامج التدريب على الضمان والثقافة المالية في رفع جدارة العميل. وعلى هذا النحو تتكامل المنحة مع القرض بدل أن تتنافس معه، وتصبح الأموال الأجنبية رافعة تجذب الأموال المحلية.
ولا يخلو النموذج من تحديات. فلن تقبل المصارف نافذة لا تغطي كلفتها، ولذلك يجب أن يغطي هامش الربح المتابعة والمخاطر مع حوافز ضريبية وتنظيمية للأداء، ويجب ألا تتحول النافذة إلى طبقة بيروقراطية إضافية بين العميل وقراره. ويطارد التضخم السقوف التي تُعدَّل بعد وقوعه، فلا بد من ربطها بمؤشر أسعار معلن بدل المنشورات المتباعدة. ومن الضروري ألا يعتمد النظام على تطبيق دفع واحد يشل تعطله التمويل كله، وأن تُحمى بيانات العملاء بقانون، وأن تتجه التغطية إلى الريف والأطراف بوحدات متنقلة ووكلاء محليين بدل أن تتركز في المدن الأقل كلفة ومخاطرة. وأخيراً لا تنجح النافذة بلا ضباط تمويل مدربين، وقد بدأ المركزي معالجة ذلك بتحمل مرتبات خريجين جدد تعينهم المصارف.
وعلى مستوى التوقعات، يتباين المشهد الدولي بما يعكس حجم عدم اليقين، فالبنك الدولي يتوقع نمواً بنحو 5.5% في 2026 بينما يتوقع بنك التنمية الأفريقي 2.1% وتضخماً عند 78.3%. وعلى أي من التوقعين سيكبر الطلب على التمويل مع إعادة الإعمار، وسيتركز أولاً في الزراعة والحرف والتجارة الصغيرة التي تستعيد بها الأسر دخلها قبل المؤسسات الكبرى. فإذا أُطلقت النافذة الموحدة بمؤشرات واضحة، كنسبة تحقيق الـ12% ومعدل السداد وعدد الأسر المموَّلة ونصيب النساء والعائدين وعدد الأسر التي خرجت من الفقر، تحول التمويل الأصغر من ملف هامشي في دفاتر المصارف إلى أداة وطنية لإعادة بناء سبل العيش. وإلا بقيت المنشورات تتوالى وأسقفها ترتفع، ويبقى الفقير أمام باب مغلق.



