مقالات

السودان.. سبعة أشهر حاسمة لتدارك المجاعة القادمة

د. محمد المنير أحمد صفي الدين 

 

 الوضع الكارثي في أكتوبر 2026 منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، انزلق السودان إلى دوامة اقتصادية ومعيشية خانقة، لكن شهر أكتوبر 2026 مثّل الذروة الأسوأ لهذه الأزمة، حيث بلغ مستوى المعيشة حدًا كارثيًا غير مسبوق في تاريخ البلاد الحديث. ولإدراك حجم المأساة، تكفي الإشارة إلى الحقائق التالية: وفقًا لوزارة الموارد البشرية والأمم المتحدة، يُعد أي فرد داخل السودان فقيرًا إذا كان دخله اليومي أقل من ثلاث دولارات. وباحتساب سعر الصرف في السوق الموازي (والذي بلغ تسعة آلاف جنيه للدولار الواحد) فإن خط الفقر يعادل 27,000 جنيه يوميًا، أو 810,000 جنيه شهريًا للفرد الواحد. وبذلك تحتاج الأسرة السودانية المتوسطة، المكوّنة من خمسة أفراد، إلى دخل شهري يتجاوز 4,050,000 جنيه (أكثر من أربعة مليون جنيها) للخروج من دائرة الفقر المالي. هذه المعادلة تفسر ما أعلنته وزارة الموارد البشرية والأمم المتحدة بأن 73% من سكان السودان (أي ثلاثة أرباع الشعب) فقراء. ومع هذا الانهيار المعيشي، تفاقمت مظاهر انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية بصورة مروعة. فعدد السودانيين الذين يعانون من الانعدام الحاد للأمن الغذائي بلغ 19.5 مليون شخص، أي ما يعادل 41% من إجمالي السكان. كما يفتقر 17 مليون شخص إلى مصدر لمياه شرب نظيفة وآمنة، بينما يعيش 24 مليون شخص دون مراحيض أو دورات مياه صحية. وإلى جانب ذلك، خرجت 40% من المرافق الصحية عن الخدمة، مما قلّص قدرة المواطنين على الحصول على العلاج والرعاية الأساسية. إنه وضع كارثي بكل المقاييس، لكن المؤشرات لا تبعث على الأمل؛ فالتوقعات للعام 2027 تشير إلى أن القادم سيكون أسوأ بكثير إذا لم تُتخذ إجراءات عاجلة وفعّالة. الوضع الأكثر سوءًا قادم في 2027 تُظهر القرائن والمؤشرات أن التدهور الاقتصادي والمعيشي في السودان مرشح للاستمرار خلال عام 2027 دون أي بارقة أمل في التعافي القريب. فقد شهد الجنيه السوداني انهيارًا غير مسبوق، إذ تراجع سعر صرفه من نحو 4,000 جنيه للدولار في يناير 2026 إلى ما يقارب 9,000 جنيه للدولار في أكتوبر 2026، أي انخفاض بنسبة 125% خلال عشرة أشهر فقط. هذا الانهيار انعكس مباشرة على القوة الشرائية للمواطنين، فأصبحت الأجور والمرتبات بلا قيمة حقيقية، حتى إن راتب الأستاذ الجامعي لم يعد يغطي تكلفة المواصلات العامة من المنزل إلى مكان العمل. وتزامن ذلك مع تدنٍ واضح في إنتاجية الموسم الزراعي، نتيجة ضعف معدلات الأمطار وارتفاع تكلفة المدخلات الزراعية، فضلًا عن عدم قدرة آلاف المزارعين على الوصول إلى مناطق الإنتاج بسبب استمرار الحرب وانعدام الأمن. وهكذا اجتمعت العوامل الداخلية لتقويض قدرة البلاد على إنتاج غذائها في وقت تتصاعد فيه الضغوط العالمية على أسعار السلع الغذائية. فعلى المستوى الدولي، شهد عام 2026 اضطرابًا غير مسبوق في وفرة وأسعار الغذاء، بفعل تداخل عاملين شديدي التأثير: الحروب الجيوسياسية، وفي مقدمتها صراع البحر الأسود، والتقلبات المناخية الحادة المرتبطة بظاهرة إل نينيو. فقد أدى استهداف الموانئ والبنية الزراعية في روسيا وأوكرانيا، وهما أكبر مصدّرين للقمح عالميًا، إلى تعطيل نحو 17% من صادرات الحبوب العالمية. كما تسببت موجات الجفاف والحرائق في أوروبا وأستراليا في خفض الإنتاج العالمي للحبوب بنسبة 2%، وانخفاض إنتاج القمح بنسبة 3.8%. وفي الولايات المتحدة، سجّل إنتاج القمح تراجعًا تاريخيًا بلغ 21.3%، وهو الأكبر منذ عشرين عامًا. وترافق هذا التراجع مع ارتفاع كبير في تكاليف الإنتاج عالميًا، إذ قفزت أسعار الديزل بنسبة 36%، وارتفعت أسعار الأسمدة بنسبة 22% بسبب التوترات في مضيق هرمز، ما دفع أسعار الغذاء العالمية إلى الارتفاع بنسبة 11.8% في 2026، مع توقع زيادة إضافية تبلغ 4.8% في 2027. أما القمح، السلعة الأكثر حساسية للدول المستوردة، فقد ارتفع سعره بنسبة 36% خلال الربع الثالث من 2026 وحده. بالنسبة للسودان، الذي يعتمد على الاستيراد لتغطية أكثر من 80% من احتياجاته من القمح، فإن هذه التطورات العالمية تمثل ضربة مباشرة للأمن الغذائي الوطني. فارتفاع الأسعار العالمية، وتراجع الإنتاج، واضطراب سلاسل الإمداد، كلها عوامل ستنعكس على السوق السوداني في عام 2027 عبر زيادة تكلفة الاستيراد، وارتفاع أسعار الخبز والدقيق، وتفاقم معدلات انعدام الأمن الغذائي التي بلغت بالفعل 19.5 مليون شخص في 2026. ومع دخول البلاد عامًا جديدًا مثقلًا بالأزمات، تشير المؤشرات إلى أن وفرة الغذاء وأسعاره ستكون أكثر هشاشة، وأن الضغوط العالمية ستضاعف من حدة الأزمة المحلية، ما يجعل عام 2027 عامًا بالغ الخطورة على الأمن الغذائي السوداني. لهذا، فإن على أجهزة الدولة، في مستوياتها السيادية والتنفيذية كافة، التعامل مع كارثة الأمن الغذائي الوشيكة بأعلى درجات الحذر والاستنفار. فالعالم مقبل على منافسة شرسة للاستحواذ على السلع الغذائية في 2027، تمامًا كما حدث مع اللقاحات والمواد الطبية خلال جائحة كوفيد-19، ولن يكون بمقدور السودان التعويل على دعم خارجي في وقت سيقول فيه الجميع: نفسي نفسي. وإذا كانت مصر في عهد سيدنا يوسف قد امتلكت سبع سنوات خصبة للاستعداد لسبع سنين عجاف، فإن السودان اليوم لا يملك سوى سبعة أشهر فقط لدرء مجاعة محدقة. إن تدارك الكارثة الغذائية التي تنتظر السودان في عام 2027 يبدأ اليوم، إن لم يكن قد بدأ بالأمس.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى