لقاء «الخماسية» و«صمود».. هل يفتح الباب أمام المشاركة في الحوار السوداني–السوداني؟
تقرير :شارع النيل نيوز

أثار اللقاء الذي جمع تحالف القوى المدنية المناهضة للحرب، بمشاركة تحالف «صمود»، مع الآلية الخماسية في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، تساؤلات بشأن احتمال حدوث تحول في موقف التحالف من مبادرة الحوار السوداني–السوداني، بعد مواقف سابقة رافضة للمشاركة في حوار يُعقد داخل البلاد.
ويأتي اللقاء في وقت تتواصل فيه تحركات لجنة تهيئة الحوار السوداني–السوداني للتشاور مع القوى السياسية والمدنية والمجتمعية، بهدف تهيئة المناخ لعملية حوار يقودها السودانيون، وتسهم في وقف الحرب والتوصل إلى توافق وطني بشأن مستقبل البلاد.
وحظيت المبادرة باستجابات من قوى سياسية ومدنية ومجتمعية، إلى جانب ترحيب من الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي وجامعة الدول العربية، وعدد من الدول والمنظمات الإقليمية والدولية، وفق ما أوردته منصة الحوار.
رؤية للتحضير للعملية السياسية
وعقد وفد رفيع المستوى من تحالف القوى السياسية والمدنية المناهضة للحرب لقاءً مع الآلية الخماسية بمقر الاتحاد الأفريقي في أديس أبابا، وصفه التحالف بأنه بنّاء ومثمر، وبحث خلاله ترتيبات عملية سلام يقودها السودانيون.
وبحسب إعلام التحالف المدني الديمقراطي «صمود»، طرح الوفد رؤية لعملية السلام تقوم على ثلاثة مسارات مترابطة، تشمل الاستجابة الإنسانية العاجلة، والوقف الشامل لإطلاق النار، ثم إطلاق حوار سياسي يعالج جذور الأزمة السودانية ويؤسس لسلام عادل ومستدام، وصولاً إلى انتقال مدني ديمقراطي.
وقال المتحدث باسم التحالف، جعفر حسن، إن الاجتماع خُصص للتشاور وتقديم رؤية للتحضير للعملية السياسية، بما يشمل التوافق على المشاركين في الحوار السوداني، وتحديد مكان انعقاده وزمانه.
وشدد الوفد، وفقاً لما أورده التحالف، على ضرورة اضطلاع القوى المدنية السودانية بدور رئيسي في تصميم عملية السلام وقيادتها، ووضع معايير عادلة للتمثيل تحول دون هيمنة أي طرف على العملية السياسية.
كما أكد ضرورة استبعاد حزب المؤتمر الوطني والحركة الإسلامية وواجهاتهما السياسية والتنظيمية من المشهد السياسي المقبل، معتبراً أنها تمثل جزءاً من أسباب الأزمة السودانية.
ويضم التحالف مكونات سياسية ومدنية متعددة، من بينها قوى إعلان المبادئ السوداني برئاسة عبد الله حمدوك، وحزب المؤتمر الشعبي، ومنظمات مجتمع مدني وشبكات نسوية وشبابية، إلى جانب شخصيات عامة مستقلة.
وأكد التحالف استمرار اتصالاته مع الآلية الخماسية والرباعية ومختلف الأطراف الإقليمية والدولية المعنية بالحل السلمي، والعمل على تحويل التفاهمات إلى خطوات عملية تسهم في وقف الحرب وتخفيف المعاناة الإنسانية.
مواقف سابقة تثير التساؤلات
ويأتي هذا الحراك بعد مواقف سابقة رافضة للحوار داخل السودان. ففي أغسطس الماضي، أعلنت قوى «إعلان نيروبي»، التي تضم تحالف «صمود» وحزب البعث العربي الاشتراكي وحركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، إلى جانب حزب الأمة بقيادة مبارك الفاضل وشخصيات وطنية مستقلة، رفضها الدعوة إلى حوار داخل البلاد، معتبرة أن الخطوة قد تكرّس تقسيم السودان بحكم الأمر الواقع.
وأعاد اللقاء الأخير طرح تساؤلات بشأن ما إذا كان انخراط «صمود» في مشاورات التحضير للعملية السياسية يمثل تحولاً في موقفه، أم محاولة للتأثير في ترتيبات الحوار وشروط المشاركة فيه، دون التخلي عن مواقفه السابقة.
وفي هذا السياق، تباينت قراءات مراقبين ومحللين سياسيين بشأن دلالات اللقاء، بين من يرى أن الخطوة لا تكفي للحديث عن تحول في موقف التحالف، ومن يعتبرها مؤشراً على مرونة سياسية ومحاولة للحفاظ على دور في تحديد مسار العملية المقبلة.
إبراهيم الصديق: لا يمكن الحكم على المواقف من تسريبات الاجتماعات
واستبعد الكاتب الصحفي والمحلل السياسي الدكتور إبراهيم الصديق، في حديثه إلى منصة الحوار، اعتبار لقاء «صمود» بالآلية الخماسية دليلاً كافياً على حدوث مرونة في موقف التحالف، مشيراً إلى أنه لا يمكن الحكم على مواقفه استناداً إلى تسريبات الاجتماعات وحدها.
ورأى الصديق أن التحالف لا يعبّر، من وجهة نظره، عن موقف سياسي أصيل ومستقر، مشيراً إلى ما وصفه بوجود ارتباطات بأجندات إقليمية ودولية، فضلاً عن تباين مواقفه في محطات سابقة.
واستشهد بتصريحات سابقة للتحالف بشأن الحوار، من بينها عبارة «ممكن نحاورك إذا كنت في القصر الجمهوري»، كما أشار إلى ما وصفه بارتباطات وثيقة بأجندة قوات الدعم السريع، وميثاق أديس أبابا الموقع في عام 2024، إلى جانب الخلافات الداخلية بين مكونات التحالف.
ووصف الصديق «صمود» بأنه تحالف يعاني تنازع المواقف وضعف التماسك، معتبراً أنه يفتقر إلى رؤية متماسكة وحاضنة شعبية واسعة، وأن تحركاته أقرب، بحسب تقديره، إلى البحث عن تسوية تتيح الوصول إلى السلطة، بدلاً من الانخراط في حوار وطني شامل.
وتظل هذه التقديرات مواقف تحليلية عبّر عنها الصديق، ولا تمثل في حد ذاتها حقائق مستقلة مثبتة بشأن دوافع التحالف أو علاقاته.
مصعب محمد علي: مؤشر على المرونة السياسية
في المقابل، اعتبر أستاذ العلوم السياسية مصعب محمد محمد علي أن لقاء تحالف «صمود» بالآلية الخماسية، والإعلان عن تشكيل لجنة معنية بأجندة الحوار السوداني وأطرافه، يمكن قراءته بوصفه مؤشراً على قدر من المرونة السياسية في التعامل مع الوسطاء الدوليين، لكنه لا يعني بالضرورة تراجع التحالف عن مواقفه السابقة.
وقال مصعب، في حديثه إلى منصة الحوار، إن التحالف ربما أدرك أن البقاء خارج المشاورات قد يقلل من قدرته على التأثير في ترتيبات الحوار المقبل، ولذلك اتجه إلى محاولة المشاركة في تحديد أجندته ومعايير التمثيل فيه.
وبشأن احتمال تعرض التحالف لضغوط دولية، رأى أن ذلك احتمال وارد في ظل تكثيف الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب والتوصل إلى تسوية سياسية، لكنه شدد على أنه لا يمكن تأكيد وجود مثل هذه الضغوط استناداً إلى المعطيات المتاحة.
وأضاف أن الخطوة قد تعكس محاولة لتحقيق التوازن بين التمسك بشروط المشاركة والانخراط في العملية السياسية، تفادياً لترك المجال أمام قوى أخرى لتحديد مستقبل الحوار بصورة منفردة.
ورهن مصعب الحكم على طبيعة التحول المحتمل بما ستسفر عنه أعمال اللجنة المعنية بالتحضير للحوار، ومدى قدرتها على التأثير الفعلي في تحديد الأطراف المشاركة والأجندة المطروحة، وما إذا كانت ستتبنى مقاربة أكثر انفتاحاً على بقية القوى السودانية.
المشاركة أم تغيير الموقف؟
وتكشف القراءات المتباينة للقاء عن أن الانخراط في مشاورات الآلية الخماسية لا يكفي وحده للحسم بأن تحالف «صمود» غيّر موقفه من الحوار السوداني–السوداني، كما لا يعني بالضرورة أنه قرر المشاركة في جميع ترتيباته.
فبينما يرى الصديق أن الخطوة لا تعكس تحولاً سياسياً حقيقياً، يقرأها مصعب باعتبارها محاولة للحفاظ على موقع مؤثر في العملية السياسية المقبلة، مع استمرار التمسك بشروط المشاركة.
ويبقى الاختبار الأساسي في طبيعة الخطوات العملية التي ستلي اللقاء، ومدى استعداد التحالف للتعامل مع مبادرة الحوار السوداني–السوداني، وموقفه من عقد الحوار داخل البلاد، ومعايير اختيار المشاركين فيه، فضلاً عن مدى انفتاحه على القوى السياسية والمدنية والمجتمعية الأخرى.
وفي ظل استمرار الحرب وتعقيدات الأزمة السودانية، ستحدد المواقف المعلنة والقرارات العملية اللاحقة ما إذا كانت مشاورات أديس أبابا تمثل بداية انخراط أوسع في مسار الحوار، أم أنها تظل ضمن الاتصالات الدبلوماسية الرامية إلى التأثير في ترتيبات التسوية السياسية.



