مقالات

بعد جنيف… الحوار السوداني يتقدم نحو صدارة الحل

 

مهند صديق 

اطّلعتُ على مخرجات الاجتماع التشاوري السادس لتنسيق جهود السلام في السودان، المنعقد في جنيف يوم 21 أكتوبر 2026، وأرى أنها تفتح فرصة لتقدّم الحوار السوداني نحو صدارة الحل. فقد جمعت بين رفض الحل العسكري، والتمسك بوحدة السودان ومؤسساته، ودعم عملية سياسية يقودها السودانيون. وقراءتي لهذه المواقف أن الاتفاق على مستقبل البلاد أصبح جزءاً ضرورياً من العمل لإنهاء الحرب.

 

تنبع أهمية اجتماع جنيف من جمعه دول الجوار، والدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، وأطرافاً إقليمية ودولية فاعلة، حول مبادئ مشتركة لإنهاء الحرب والحفاظ على وحدة السودان. والتحدي هو تحويل هذا الاتفاق المعلن إلى إجراءات: مواصلة مسار وقف القتال، ومنع إمداد المليشيا بالسلاح والتمويل، وحماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات. وفي الوقت نفسه، تقع على السودانيين مسؤولية بناء تفاهمات تمنح التسوية مضموناً واضحاً وسنداً داخل المجتمع.

 

قد يدفع الخوف مما سيحدث بعد توقف الحرب بعض الأطراف إلى التمسك بالقتال. فغياب الضمانات المتعلقة بالأمن والمشاركة السياسية وحماية الحقوق يجعل قبول التسوية أكثر صعوبة. ويستطيع الحوار أن يساعد في معالجة هذه المخاوف، والوصول إلى تفاهمات واضحة تمنح الأطراف والمجتمع ثقة أكبر في إمكان إنهاء الحرب.

 

وتظل المفاوضات الأمنية ضرورية للاتفاق على وقف إطلاق النار ومراقبته. أما الحوار السوداني الأوسع، فيساعد على الإجابة عن السؤال الذي سيواجه أي اتفاق: كيف تُدار البلاد بعد توقف القتال؟ وكل تقدم في هذه الإجابة يمكن أن يسهّل الوصول إلى الترتيبات الأمنية، ويقلّل احتمال انهيارها تحت ضغط خلافات تُركت بلا معالجة.

 

لهذا فإن تعليق الحوار على انتهاء الحرب قد يؤخّر أحد الشروط التي تساعد على إنهائها. ويمكن أن تبدأ المشاورات وبناء الثقة والاتفاق على المبادئ بينما تستمر المساعي لوقف النار. وفي المقابل، يجب أن تمضي حماية المدنيين وإغاثتهم دون انتظار نتائج العملية السياسية. فالحاجة إلى إنقاذ الأرواح عاجلة، والحاجة إلى بناء التوافق تبدأ الآن أيضاً.

 

ومن أهم ما أكدته مخرجات جنيف اتساع المشاركة لتشمل تنوع المجتمع السوداني. فالنازح الذي يريد العودة إلى بيته، والمزارع الذي ينتظر الوصول إلى أرضه، والأسر التي تبحث عن الأمن والتعليم والعلاج، يحملون أولويات ينبغي أن تؤثر في التسوية. وحضورهم، مع النساء والشباب والقوى السياسية والمجتمعات المحلية، يمنح الحوار قوة تتجاوز طاولة الاجتماع: قاعدة اجتماعية تعرف ما الذي تريد استعادته، وتستطيع المطالبة به ومحاسبة من يعطّله.

 

كما يوفّر التمسك بوحدة السودان ورفض إقامة حكومات ومؤسسات حكم موازية أساساً يمكن البناء عليه. فالاتفاق على بقاء الدولة يسمح بمناقشة إصلاحها، وتوزيع السلطة داخلها، وضمان حقوق المواطنين فيها. ومن شأن قواعد واضحة للمشاركة والمساءلة أن تجعل الاختلاف السياسي قابلاً للإدارة، وأن تقلّل الخوف من تحوّله إلى تهديد لوجود جماعة أو منطقة أو تيار.

 

وفي هذا السياق، تكتسب الإشارة إلى أنشطة لجنة تهيئة الحوار السوداني في الخرطوم دلالتها. فقد أحاط الاجتماع علماً بهذه الأنشطة، بما يثبت حضورها في النقاش الدولي ويفتح مجالاً لمزيد من التواصل. وتبقى قيمة هذا الحضور مرتبطة بما ينتجه العمل على الأرض: الوصول إلى المختلفين والمترددين، والاستماع إلى مخاوفهم، وتوفير ضمانات المشاركة، وإتاحة التأثير في الأجندة للسودانيين داخل البلاد وخارجها.

 

أما التنسيق بين الرباعية والخماسية ودول الجوار، فيمكن أن يخفّف تضارب الجهود ويزيد فاعلية الضغط لوقف الحرب. وتزداد فائدته حين يجد أمامه أولويات سودانية واضحة يمكن دعمها. فالملكية الوطنية للحوار تُمارَس عبر صياغة الأسئلة، وتحديد الأولويات، واتخاذ القرار، مع الاستفادة من المساندة الخارجية والضمانات التي تستطيع توفيرها.

 

ويحتاج هذا المسار إلى معالجة حقوق الضحايا والعدالة والترتيبات الأمنية بجدية. فثقة الناس في السلام تتوقف على شعورهم بأنه سيحميهم، ويعترف بما أصابهم، ويمنع تكراره. ولذلك يجب أن تقود المشاورات إلى خطوات قابلة للتنفيذ، بمسؤوليات واضحة ومتابعة معلنة، حتى يرى المشاركون أثر أصواتهم في النتائج.

 

لهذه الأسباب أرى أن الحوار السوداني يتقدم ليصبح ركيزة أساسية في إنهاء الحرب، حين يقترن بتفاهمات أمنية وضغط فعلي لوقف القتال. ومخرجات جنيف تتيح فرصة لربط هذه الجهود، بينما تتوقف قيمة الفرصة على ما يفعله السودانيون وشركاؤهم بعدها.

 

كل خطوة نحو اتفاق سوداني واسع تجعل التسوية أكثر وضوحاً، وتمنح المطالبين بوقف الحرب قوة أكبر. وهذه هي الفرصة التي ينبغي اغتنامها بعد جنيف.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى