المعتقلون في سجون الدعم السريع.. وجع من قلب المجتمع يبحث عن الإنصاف
الخرطوم :شارع النيل نيوز

-ملف وجد التجاوب من لجنة السلم المجتمعي بالحوار السوداني
في بلدٍ امتلأت بالقبور المجهولة، هناك آلاف الأسر على رصيف انتظار طال، تبحث عن كلمة واحدة عن مصير والد أو ولد أو زوج اختُطف من بيته ولم يعد.
هذه ليست قصة سجن عادي، بل هي رحلة إلى قبوٍ مظلم سيق إليه الآلاف بالرياض الخرطوم.. جعلته مليشيا الجنجويد مقبرة لدفن الاحياء، حيث لا ضوء ولا هواء ولا مساحة للجلوس، ومن ينجو يقتاد إلى سجن سوبا حيث يصبح الموت بالمرض أشد قسوة من الموت بالرصاص.
يروي الصحفي عبد الله بشير، أحد الناجين من تلك المعتقلات وعضو مبادرة المعتقلين والمفقودين، في هذا الحوار تفاصيل لم يكن يظن أنه سيخرج ليحكيها. خرج من منزله في الخرطوم يريد النجاة بنفسه بعد أن أصبحت حياته كصحفي مهددة، فوجد نفسه مقتاداً إلى عالم آخر، عالمٍ يُعامل فيه الإنسان كأنه ليس من البشر.
*خطوط المعاناة*
يستعيد بشير تفاصيل من معتقل الرياض حيث تكدس مئات المعتقلين في قبو قذر، مظلم ورطب لا تتوفر فيه التهوية، تحاصرهم الأوساخ والفضلات والروائح الكريهة من كل جهة، حتى أن الذهاب للاستحمام بالأعلى بعتبر مجازفة قد تكلف من يقدم عليها الضرب والركل واللعنات.. ويستذكر تلك اللحظات: “كنا لا نستحم إلا مرة أو مرتين في الشهر”.
وفي سجن سوبا انتشرت الأمراض والأوبئة وانعدم العلاج تماماً.. كانت الوجبة تحوي حبيبات أرز قليلة وكانوا لا يسعفون الحالات الحرجة فارتفعت نسبة الوفيات، “أصبحنا في كل يوم نودع زملاء جاورناهم وعرفنا معادنهم”.
ويقول بشير كانت ثلاثة أشهر من القهر والتعذيب الجسدي والنفسي، والحرمان من الطعام والشراب إلا بالقدر اليسير، وكنا نظن معها أن الخروج مستحيل، خاصة وأننا نرى من سبقونا منذ الأيام الأولى للحرب لا يزالون هناك. لكن رحمة الله كانت أكبر، فأُطلق سراحي مع مجموعة بعد أن ضاقت المعتقلات بمعتقلين جدد جُلبوا من الخرطوم والجزيرة وزادت نسبة الوفيات نتيجة الأمراض.
خارج أسوار المعتقل، اكتشف بشير أن المعاناة لها وجه آخر. أسرٌ مكلومة تبحث عن أي خيط يوصلها لأبنائها، فتقع فريسة لشبكات نصب تبتزها وتطلب أموالاً طائلة نظير وعد كاذب بإطلاق سراحهم واعتبر في حديثه لمنصة الحوار السوداني السوداني أن القانون الدولي واتفاقيات جنيف تجرّم الاختطاف والاحتجاز القسري للمدنيين، ولأن التقارير الدولية الموثقة تؤكد وجود تعذيب ممنهج وعنف جنسي وإعدامات خارج القانون، فإن السؤال الذي يطرحه ذوو المفقودين: لماذا هذا الصمت؟
*خطوط الصمت والتجاهل:*
ويعتقد بشير إن المنظمات الوطنية لم ترتق إلى مستوى التحدي الإنساني، وكذلك المنظمات الدولية التي تخلت تماماً عن دورها الأخلاقي وصمتت عن مأساة بشعة تجري في العلن رغم أن قضية المعتقلين لم تعد شأناً قانونياً، بل قضية وطنية ضاغطة في وجدان الرأي العام، تستدعي وضعها في صدارة أي مسار تفاوضي أو حوار مجتمعي.”
ويضيف من هنا، كان الاتجاه نحو لجنة تهيئة بيئة الحوار السوداني – السوداني، وتحديداً مسار السلم المجتمعي برئاسة الدكتور محمد جلال هاشم.
ويرى ان اللقاء لم يكن مجرد اجتماع، بل كان محاولة لوضع وجع المعتقلين على طاولة الحوار الوطني، بعد أن غاب طويلاً عن طاولات السياسة.
*خطوط الحوار السوداني – ما الذي ينتظر؟*
وأوضح بشير انهم وجدوا تجاوباً منقطع النظير من لجنة السلم المجتمعي، لأن قضية المفقودين والأسرى هي قلب التعافي الاجتماعي.”
ويمضي بقوله أن تجاوب اللجنة ومبادرتها لوضع خارطة طريق، بعث الأمل في عودة كل أسير إلى أحضان أسرته أو على الأقل معرفة مصيره في بلد امتلأ بالقبور المجهولة والقصص غير المكتملة، يبحث الناس عن شواهد، عن أي شيء يضع نهاية كريمة لأعمار انتهت في الصمت.”
وأكد أن المبادرة ينتظرها خطوات عملية، لرسم ملامحها المعتقلون السابقون أنفسهم وفق نسق يشمل توثيق شامل وإعداد قوائم رسمية بأسماء المختطفين وأماكن احتجازهم، ليكون هذا هو المدخل الصحيح لتحريك الملف، بجانب تمكين الجهات الإنسانية والطبية من الوصول إلى أماكن الاحتجاز والكشف عن مصير المعتقلين، وثالثها تشكيل لجنة تحقيق مستقلة للكشف عن أماكن دفن المتوفين داخل المعتقلات، إضافة إلى الاستعانة بتجارب دول صديقة في إدارة ملف المفقودين، وقيادة حراك شعبي ضاغط ينهي معاناة عشرات الآلاف.
وفي ختام حديثه يوضح بشير إنها ليست مجرد مبادرة، بل إنها صرخة تقول لا يمكن لحوار سوداني سوداني أن ينجح وهو يقفز فوق جراح المعتقلين، ولا يمكن لسلم مجتمعي أن يُبنى وأهالي المفقودين لا يعرفون حتى الآن، هل أبناؤهم أحياء أم أموات؟.