مقالات

*جبريل..(كفاية)*

*الطاهر ساتي*

 

:: عندما تفكر في عبور الطريق السريع إلى الناحية الأخرى، اعلم أن هناك شخصاً آخر يفكر في عبور ذات الطريق إلى ناحيتك.. هذه ليست حكمة ولا فلسفة، بل مجرد ثرثرة وكلام عاديّ وعقيم، يشبه تماماً تصريحات وزير المالية لـ “الشرق الأوسط” وهو يتحدث عن الأزمة الاقتصادية..!!

 

:: (التراجع المتسارع لسعر الجنيه يرجع إلى ارتفاع الطلب على النقد الأجنبي وزيادة حجم الواردات مقارنة بالصادرات)؛ هكذا هي حكمة وفلسفة وعبقرية وزير ماليتنا وهو يكشف للرأي العام – بالداخل والخارج – ما يمكن وصفه بـ “الذرة”، أي أسباب انهيار الجنيه مقابل الدولار..!!

 

:: الكل يعرف أن زيادة حجم الواردات مقابل نقصان حجم الصادرات تعني وجود أزمة اقتصادية بكل تفاصيلها، بما في ذلك انحدار سعر العملة الوطنية، وارتفاع أسعار العملات الأجنبية، وجنون الأسواق.. هذه من البديهيات، ولكن ثم ماذا؟ ومن المسؤول..؟؟

 

:: لماذا يرتفع الوارد مقابل نقصان الصادر؟ ..الشماعة الجاهزة هي الحرب، ولكن (لا)، فالحديث يجب أن يكون عن التهريب، والفساد، وسوء الإدارة؛ إذ هذه هي أضلاع “مثلث برمودا” الذي يبتلع موارد الناس والبلد.. وهذا المثلث إن لم يكن أخطر من الحرب، فلا يقل خطورة عنها..!!

 

:: لم تعد لوزارة المالية ولاية على المال العام، ولا قدرة على التخطيط والإدارة، وفشلت في توظيف موارد البلد بحيث لا تتبدد في الفساد والتهريب.. والأدهى، أن وزارة المالية تخلت عن أهم مسؤولياتها، واختزلت دورها في مشاهدة حلقات التدهور ثم التعليق عليها في الإعلام..!!

 

:: وعلى سبيل المثال لرفع يدها من مسؤولياتها وإسنادها لجهات أخرى؛ هل تعلم أن وزارة المالية لم تعد مسؤولة عن مرتبات القوات النظامية منذ شهر الحرب وإلى شهرنا هذا؟ ليس الجيش فحسب، بل كل القوات النظامية؛ فإن أمر أجورها لم يعد من مسؤوليات وزارة المالية كما كان في السابق..!!

 

:: ثم إن عجزها عن وضع سياسات تكافح تهريب الذهب لا يخفى على أحد؛ فهي تعلم أن صادر الذهب لم يتجاوز (20) طناً في العام الماضي، فيما بلغ الإنتاج المسجل رسمياً (70) طناً، مما يعني تهريب أكثر من (50) طناً من الذهب المسجل فقط، بغض النظر عن الكميات غير المسجلة..!!

 

:: فالأنظمة تكافح التهريب بالسياسات أولاً، ثم بالعقوبات لاحقاً، ولكن بسبب عجز وزارة المالية عن وضع السياسات والتحكم فيها، فقدنا الكثير من ذهب السودان، وكان هذا المفقود يكفي لرفاهية الشعب رغم الحرب.. ومع ذلك لا تحرك وزارة المالية ساكناً، وكأنها مجرد (صراف آلي)..!!

 

:: ولم تعجز عن حماية الموارد فحسب، بل فشلت أيضاً في كبح جماح الفساد المؤسسي، ومحاربة ظاهرة “التجنيب” التي عادت لتلتهم إيرادات الدولة خارج الموازنة الرسمية، بدليل أن هناك لجنة تجول الولايات والطرق القومية لملاحقة (التجنيب)، لأن وزارة المالية فقدت هيبتها..!!

 

:: نعم، أخطر ما يعيق الإنتاج هو (التجنيب).. ووزارة المالية تقف متفرجة أمام تغوّل الجبايات غير المشروعة ورسوم الإتاوات التي تُفرض في الطرقات والولايات دون سند قانوني، لتدفع بالمنتجين والمستثمرين نحو حافة الإفلاس، وتدفع بالاقتصاد كله نحو الهاوية..!!

 

:: ثم إن الحظر الأمريكي على “جبريل” عقبة كأداء لدولة تحتاج إلى التواصل الخارجي لاستقطاب الدعم والقروض .. ولا أدري إن كان سيسافر بزيه العسكري الذي يداوم به ويعكس وضعه كرئيس حركة أكثر من وزير مالية، أم سيكتفي بإسناد ظهره للبنك المركزي لطباعة العملة وتدمير الاقتصاد..؟!!

 

:: ورغم أن العقوبات على شخص الوزير لا الوزارة، إلا أن المخاوف تكمن في انتقال مخاطر العقوبات الشخصية المتكررة من الأشخاص إلى المؤسسات التي يمثلونها عملياً؛ نتيجة لسياسة “تجنب المخاطر” التي تتبعها البنوك الدولية، مما يهدد بعزل المنظومة المالية للبلاد بالكامل..!!

 

:: وبالمناسبة، يُعد “جبريل” أكثر الوزراء بقاءً بمنصبه بعد الثورة؛ فالرجل أُنهِك ولم يعد لديه ما يقدمه..ولن ينسى الشعب دوره البطولي في إنقاذ منظومة الدولة من الانهيار في مستهل الحرب..فليسترح ليحفظ له التاريخ هذا الصنيع النبيل، هذا ما لم تكن الوزارة قد أصبحت من (غنائم الحرب)..!!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى