مخاض العملة الصعبة: هل تُنقذ سياسة “الضخ” الجنيه السوداني من غيبوبته؟

بقلم: وليد دليل – خبير مصرفي
في خطوة تحمل في طياتها محاولة مستميتة لفرض السيطرة على مشهد اقتصادي شديد التعقيد، أعلن بنك السودان المركزي عن استمراره في ضخ النقد الأجنبي للمصارف التجارية لتغطية طلبات الاستيراد للقطاعين العام والخاص، محددًا سعر الصرف بواقع 1220 جنيهًا للدرهم الإماراتي. هذا الإجراء، الذي يأتي في توقيت حرج تتسع فيه الفجوة بين السعرين الرسمي والموازي، يمثل اختبارًا حقيقيًا لأدوات السياسة النقدية التقليدية في ظل ظروف استثنائية. فالهدف المعلن هو كبح جماح الانفلات المتسارع في أسعار الصرف وإعادة التوازن لأسواق العملة، لكن المحك الفعلي يكمن في مدى قدرة هذه الآلية على الصمود أمام تشوهات هيكلية عميقة في الاقتصاد الكلي، وفي الإجابة عن السؤال الجوهري حول الجدوى الاقتصادية المستدامة لعمليات الضخ المستمرة.
لفهم الأثر الحقيقي لهذه الخطوة، يجب النظر أولاً في هندسة حركة هذه الأموال ومساراتها داخل النظام المصرفي. إن النقد الأجنبي الذي يضخه البنك المركزي لا يتحرك في فراغ، بل يوجه مباشرة عبر قنوات رسمية لتلبية قوائم استيراد السلع الاستراتيجية والضرورية، كالوقود، والقمح، والمدخلات الزراعية والصناعية. غير أن المعضلة تكمن في أن جزءًا من هذا الطلب، وبسبب القيود الإدارية أو شح الموارد في الفترات السابقة، قد يتسرب بطرق غير مباشرة لتغذية عمليات تجارية في السوق الموازي إذا لم تصاحب الضخ رقابة صارمة. وهنا يبرز دور المصارف التجارية التي تجد نفسها أمام تحدي مزدوج؛ فمن ناحية، تسهم هذه السيولة في إنعاش دورة العمل المصرفي واستعادة الثقة المفقودة بين البنوك وعملائها من المستوردين، ومن ناحية أخرى، تضع على عاتقها مسؤولية الامتثال والتدقيق لضمان عدم استغلال هذه الأموال في عمليات مضاربة قد تفاقم من أزمة السيولة بدلاً من حلها.
على صعيد حركة التجارة الخارجية، تترك هذه السياسة ظلالاً متباينة على قطاعي الصادرات والواردات. بالنسبة للواردات، فإن توفير النقد الأجنبي بسعر مدعوم نسبياً واستجابة البنك المركزي لكافة الطلبات يقودان حتماً إلى خفض تكلفة استيراد السلع الأساسية، مما يخفف من حدة الضغوط التضخمية التي يكتوي بنارها المواطن. ولكن، في المقابل، قد تؤدي هذه الخطوة إلى إضعاف تنافسية الصادرات السودانية؛ فالصادرات تحتاج إلى سعر صرف مرن وواقعي يعكس التكلفة الحقيقية للإنتاج محلياً، وتثبيت السعر أو توجيهه إدارياً دون مراعاة قوى العرض والطلب الحقيقية قد يقلل من العائدات المحفزة للمصدرين، مما يدفع ببعض الصادرات التقليدية مثل الذهب والمحاصيل النقية إلى الهروب نحو قنوات التهريب بحثاً عن قيمة أعلى في السوق الموازي، وهو ما يحرم الخزينة العامة من موارد متجددة للنقد الأجنبي.
إن كبح جماح انفلات الدولار وبقية العملات الأجنبية لا يمكن أن يتحقق عبر حلول مصرفية معزولة، بل يتطلب حزمة متكاملة من الإصلاحات الهيكلية. إن استنزاف الاحتياطيات النقدية المحدودة في عمليات ضخ مستمرة يشبه تخدير المريض دون علاج أصل العلة، فالاستقرار المستدام لسعر الصرف يتطلب أولاً إيقاف التمويل بالعجز، وتجفيف منابع المضاربة على العملة من خلال تفعيل أدوات الرقابة المصرفية المشددة، وتوسيع مظلة الدفع الإلكتروني لمحاربة الاقتصاد الموازي. الأهم من ذلك هو بناء احتياطي نقدي حقيقي عبر تعظيم إيرادات الدولة من الصادرات السيادية، وإعادة صياغة السياسات الاستيرادية لترشيد الطلب على السلع غير الضرورية، بحيث لا يصبح البنك المركزي الممول الوحيد للسوق، بل المنظم الموجه له.
يمكن القول إن خطوة بنك السودان المركزي بضخ النقد الأجنبي تمثل مسكناً ضرورياً وعاجلاً لتهدئة روع الأسواق وامتصاص الصدمات الراهنة، وهي خطوة تحسب للإدارة النقديه في محاولتها إثبات حضورها وسط العاصفة. بيد أن النجاح الحقيقي لهذه الآلية لا يقاس بحجم المبالغ التي تم ضخها اليوم، بل بالقدرة على تحويل هذا الاستقرار المؤقت إلى أرضية صلبة للإصلاح الشامل. إذا لم تتبع هذه الخطوة سياسات مالية تقشفية صارمة، وتسهيلات حقيقية لقطاع الإنتاج والصادر، فإن مفاعيل الضخ ستتبدد سريعاً، وسيعود الجنيه لمواجهة ذات الضغوط، مما يستدعي الانتقال السريع من مرحلة الإنعاش المؤقت إلى مرحلة المعالجة الجذرية للاقتصاد الوطني.


