مقالات

يا رئيس الوزراء.. إليكم ،، قبل أن يرفع الرعية أيديهم الى السماء

بقلم :عبدالكريم إبراهيم

​يقول الأديب و الشاعر الدبلوماسي الفذ صلاح أحمد إبراهيم في أيقونة وردي الرائعة “الطير المهاجر”: (بالله يا الطير المهاجر للوطن زمن الخريف تطير بسراع ما تضيع زمن في بلادنا ترتاح ضل الدليب اريح سكن) .

 في الوجدان السوداني، لطالما كانت هذه العبارة( هي رمز للبيت الدافئ، والوطن الذي يحتضن أبناءه في أصعب الظروف. لكن يبدو أن البعض يقودنا قهرا الى اعادة النظر في هذا المفهوم . ففي الوقت الذي تعصف فيه الحروب و المحن بالجميع، لم تعد “اريح سكن” شعوراً بالاستقرار النفسي يُحمل بين الجوانح، بل تحولت في كواليس بعض المؤسسات الحكومية إلى “بدلات سكن” مليارية وأرقام فلكية، تُصرف كمنح باذخة لفئة محظوظة، بينما يترك البقية يكابدون عواصف العوز 

في الوقت الذي يعاني فيه العامة من غلاء للأسعار طاحن و المعلمون من رواتب لا تكفي ثمن المواصلات.. (هي نفسها في عداد المتأخرات) فلم تسدد كاملة ، ويكابد المعاشيون للحصول على أبسط حقوقهم. تطل علينا قصة الامتيازات الخرافية التي مُنحت لبعض الموظفين في الوزارات والمؤسسات الحكومية، وكأنها حكاية من ألف ليلة وليلة نثريات شهرية بجانب بدلات سكن خرافية بمبالغ مليارية تُصرف مقدمًا حسب الدرجة الوظيفية، حتى أن بعض الذين تقاعدوا وتوفوا وحبسوا واولئك الذين سيتقاعدون وسيتوفون وجدوا او سيجدون أنفسهم فجأة في قائمة المستفيدين، وكأن الدولة قررت أن تكافئ الغياب قبل الحضور.

ولم يقف الأمر عند حدود المال، بل امتد إلى تجاوز إداري لا يخلو من الطرافة، تخيل أن موظفًا في الدرجة الرابعة يُكلف بإدارة ادارة وبرئاسة موظفين في الدرجة الثالثة بحجة عامل (الكفاءة) في مشهد يشبه أن يُعيَّن لاعب احتياطي مدربًا للفريق الأساسي. أما الترقيات القيادية العليا فقد أُرسلت عند بعضهم ترقيات الدرجة الثالثة فقط إلى مجلس الوزراء لإيجازتها بينما تُركت بقية الدرجات العليا تنتظر على الرصيف، في مخالفة صريحة للوائح الخدمة المدنية. ونصوص اللائحة التي تم تجاوزها والتي تتمثل في المادة (61 أ) من لائحة الخدمة المدنية لسنة 2007م: تنص على أن الترقيات تتم وفقًا للجدارة والكفاءة والأقدمية، مع مراعاة التسلسل الوظيفي الطبيعي. و المادة (65 .أ): تحدد أن الترقيات القيادية تُرفع لمجلس الوزراء لإجازتها، ويجب أن تشمل جميع الدرجات القيادية العليا لضمان العدالة.  

لكن يبدو أن هذه المواد تُقرأ في بعض الوزارات كما تُقرأ كتب التاريخ للتسلية فقط، لا للتطبيق.  

ولزيادة الطين بلة، وكما تعلمون فقد عقد مؤخرا مؤتمر الخدمة المدنية في بورتسودان، وكان يُنتظر أن تكون توصياته منصة للإصلاح، لكنه خرج وكأنه اجتماع لتبادل

المجاملات، إذ لم تستفد منه بعض الجهات إطلاقًا، لتبقى الأوضاع كما هي، بل ربما أسوأ. وبينما تُصرف المليارات على بدلات السكن، يظل المعلمون يدرّسون في مدارس بلا مقومات والمعاشيون يطاردون حقوقهم واستردادها وتطبيق نسبة ال 15% ومنحة ال 80 الف في طوابير لا تنتهي.

إن هذه السياسات لا تخلق فقط فجوة بين بعض الفئات و الموظفين، بل تحفر هوة عميقة بين الواقع والخيال. الأموال التي تُهدر في هذه الامتيازات كان يمكن أن تُستثمر في بناء مستشفى أو تحسين رواتب المعلمين أو دعم المعاشيين، لكن الأولوية تبدو واضحة: الكراسي الوثيرة أولًا، ثم يأتي المواطن لاحقًا.

ختامًا، فإن هذه الامتيازات الخرافية والتجاوزات الإدارية التي جعلت “التبعية” مقدمة على “اللوائح”، ليست مجرد خلل عابر، بل هي مسرحية تُعرض يومياً على خشبة الوطن بحساب المواطن البسيط. فبينما يغرق “أهل الحظوة” في بحر المخصصات التي امتدت لصرفها مقدما ، يظل المواطن ، المعلم والمعاشي في ذيل القائمة، يبحثون عن فتات حقوقهم الضائعة بين المؤتمرات الصورية والوعود الزائفة. لقد آن الأوان لإدراك أن “اريح سكن” الحقيقية لا تأتي من استنزاف خزينة الدولة لمصلحة النخبة، بل من تحقيق العدالة التي تجعل السكينة حقاً مشاعاً للجميع، لا رفاهية محتكرة لمن ملكوا القرب والمكانة.

(يا رئيس الوزراء.. إليكم قبل أن يرفع الرعية أيديهم الى السماء)

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى