
لم يعد من المقبول أن يظل السودان متردداً في إدارة مجاله الجوي أو أن يبقى تحت رحمة ترتيبات إقليمية صُممت لظروف استثنائية. فالمجال الجوي ليس مجرد فضاء تعبره الطائرات، بل هو أداة سيادة، وأداة اقتصاد، وأداة حضور مهني في صناعة الطيران العالمي.
إن ما يحتاجه السودان اليوم ليس مشروعاً ضخماً ولا استثمارات معقدة كما قد يظن البعض.
الحقيقة أبسط من ذلك بكثير.
كل ما يحتاجه السودان في هذه المرحلة هو أداة اتصال موثوقة مع الطائرات العابرة ومع مراكز المراقبة في الدول المجاورة.
سواء كانت هذه الأداة:
• نظام اتصال VHF ممتد (Extended VHF)
أو
• اتصالاً بعيد المدى عبر ترددات HF
فإن توفر وسيلة اتصال مستقرة وموثوقة بين السودان وجيرانه كفيل بأن يضع الأساس لعودة التشغيل المنظم للمجال الجوي.
فالمبدأ الأساسي في إدارة الحركة الجوية بسيط وواضح:
الاتصال أولاً… ثم الخدمة.
وبمجرد تأمين هذا الحد الأدنى من البنية التشغيلية، يمكن للسودان أن يعلن عن تقديم خدمة مراقبة جوية إيجابية وإجرائية (Positive Procedural Control) على ممر عبور محدد.
ممر واحد فقط في البداية.
ممر واضح يبدأ من نقطة نوبار شمالاً ويمتد حتى الحدود الجنوبية مع جنوب السودان.
ويتم تشغيل هذا الممر وفق ضوابط دقيقة:
• مسار محدد
• ارتفاعات محددة
• سرعة عبور معيارية
• وإدارة إجرائية للحركة الجوية
ليس الهدف فتح المجال الجوي بالكامل دفعة واحدة، بل استعادة القدرة التشغيلية تدريجياً.
ومع مرور الوقت، وبعد تقييم الأداء التشغيلي والسلامة، يمكن للسودان أن يضيف ممرات عبور أخرى على فترات معقولة، حتى تعود شبكة المجال الجوي السوداني إلى العمل بصورة طبيعية.
غير أن القضية ليست تقنية فقط، بل مؤسسية أيضاً.
لقد ظل السودان لفترة طويلة عملياً تحت رحمة ترتيبات إقليمية جعلت كثيراً من قرارات الملاحة الجوية مرتبطة بمكاتب خارج حدوده، وعلى رأسها مكتب القاهرة الذي يدير جزءاً مهماً من التنسيق الإقليمي.
وهذا الوضع قد يكون مفهوماً في فترات الضعف أو الانتقال، لكنه لا يمكن أن يستمر كأمر واقع دائم.
لذلك قد تكون هذه اللحظة أيضاً فرصة لإعادة النظر في الموقع المؤسسي للسودان داخل منظومة الطيران المدني الدولي.
فالسودان جغرافياً واستراتيجياً جزء أصيل من إفريقيا، ومن الطبيعي أن تكون مرجعيته المهنية داخل الإطار الإفريقي لمنظمة الطيران المدني الدولي، لا أن يبقى ملحقاً إدارياً بترتيبات الشرق الأوسط.
إن استعادة السيطرة المهنية على المجال الجوي السوداني لا تبدأ بمشروعات ضخمة، بل تبدأ بخطوة بسيطة وواضحة:
اتصال موثوق.
ممر عبور واحد.
خدمة مراقبة إيجابية إجرائية.
ثم بعد ذلك… يتوسع المجال خطوة بعد خطوة.
فالسيادة في عالم الطيران لا تُستعاد بالشعارات،
بل بالقدرة التشغيلية الفعلية على إدارة السماء.



