مقالات

في مصر تُفتح الأسواق… وفي السودان تُفتح ملفات المطالبات

مهند عوض محمود

 

في مقالي السابق، «مصر تتجه لأفريقيا بالدبلوماسية الاقتصادية»، تناولت الجانب المشرق الذي شاهدناه في منتدى العلمين – أفريقيا. واليوم أتناول الجانب المؤلم من المقارنة مع السودان، آملاً أن أقدم نقداً بنّاءاً يسهم في تصحيح السياسات وتخفيف الأعباء عن القطاع الخاص؛ فلعل كثرة الطرق تفتح الباب، وتجد الشكوى طريقها إلى التنفيذ.

مصر، باستضافتها المنتدى الذي اعتُمد بقرار من قمة الاتحاد الأفريقي، جمعت قادة الدول والوزراء ومؤسسات التمويل والقطاع الخاص على طاولة واحدة. وحوّلت الحضور السياسي إلى فرصة اقتصادية، يلتقي فيها المستثمر بصاحب القرار، وصاحب المشروع بمن يستطيع تمويله.

أما في السودان، فكثير من أصحاب الأعمال يبحثون عن سبيل لاستعادة نشاطهم، بينما تبحث بعض الجهات عنهم لاستعادة مستحقاتها. هناك يسألون المستثمر: كيف نساعد مشروعك؟ وهنا يأتي السؤال قبل السلام: كم عليك؟

ولا أقارن إمكانات بلد مستقر ببلد أنهكته الحرب، بل طريقة التعامل مع القطاع الخاص. فالمنشآت التي يُنتظر منها تشغيل العمال وزيادة الصادرات والمشاركة في إعادة الإعمار تحتاج أولاً إلى استعادة قدرتها على الإنتاج.

لقد فقد أصحاب أعمال مصانع ومخازن وبضائع، وفقد بعضهم منازلهم ومدخراتهم أيضاً. وتمويلات أُخذت قبل الحرب لتشغيل مشروعات منتجة أصبحت ديوناً بلا مصدر للسداد. ومع ذلك، يُطلب من صاحب العمل أن يعيد البناء ويشتري البضاعة ويسدد الأقساط، برأس مال يبدو أن اسمه «البركة»!

أما بنك السودان المركزي، فبعد عامين من اندلاع الحرب، أصدر في أبريل 2025 تعميماً بتمديد آجال أقساط معينة لتمويلات ما قبل الحرب ثمانية عشر شهراً، اعتباراً من أكتوبر 2024. وبعد كل هذا الانتظار، كانت خلاصة المعالجة أن تنتظر المصارف عملاءها قليلاً أيضاً!

المصارف متضررة، والعملاء منكوبون؛ وهكذا جلس المتضرر ينتظر المنكوب، بينما اكتفى صاحب السياسة، في هذه المعالجة، بتوزيع الصبر عليهما. والصبر، على فضله، لم يُعرف عنه أنه يمول مصنعاً أو يسدد قسطاً!

كان المطلوب تدخلاً اقتصادياً يدعم قدرة المصارف على معالجة الخسائر، ويتيح للمنشآت تمويلاً لإعادة التشغيل. أما تمديد الأجل وحده، فيترك السؤال الأساسي بلا إجابة: من أين يسدد صاحب العمل إذا كان المشروع الذي اقترض لتشغيله قد نُهب أو احترق؟

وفي أزمة إنفلونزا الطيور، حين صدر قرار إعدام الطيور لدى الشركات المتضررة، وجّه بنك السودان المركزي بمنحها فترة سداد ثلاث سنوات. يومها لم تكن البلاد تعيش حرباً بهذا الاتساع، ولم يفقد أصحاب الأعمال مصادر دخلهم وممتلكاتهم معاً. فكيف اتسعت المعالجة لأزمة الدواجن، وضاقت أمام كارثة أصابت قاعدة الإنتاج بأكملها؟

ولا يعني ذلك إهدار حقوق المصارف والمودعين، لكن استعادة هذه الحقوق تحتاج إلى عميل قادر على الإنتاج والسداد. ومع ذلك، واصلت بنوك الضغط على العملاء والتهديد بتسييل أصولهم، وكأن ما نجا من الحرب ينبغي ألا ينجو من إجراءات التحصيل!

ولا بأس، إذن، أن تُباع الأصول، وتستوفي المصارف مستحقاتها، ويُحوَّل ما تبقى لأصحاب الأعمال في بلاد المهجر، ليضعوه في ودائع ويعيشوا في هدوء وسكينة؛ فقد اكتشفوا، بعد سنوات من الإنتاج والتوظيف والتصدير، أن إيداع المال أقل مشقة من تشغيله في وطنهم.

أما السودان، فيواصل برنامجه العجيب لإحلال وإبدال أصحاب الأعمال: يخرج صاحب الخبرة ورأس المال والعلاقات التجارية، وننتظر بديلاً يبدأ من الصفر، إلى أن يأتي دوره في المطالبات. وهكذا نُصفّي حسابات الديون، ونُصفّي معها المنتجين؛ ثم نعقد مؤتمراً لنسأل: لماذا تراجع الإنتاج؟

وفي الضرائب، أعلن رئيس الوزراء خلال زيارته لسوق السجانة في مايو 2026 توجيهاً بإعفاء التجار من رسوم الزكاة والضرائب والمواصفات عن أعوام 2023 و2024 و2025. وهو توجه يستحق الترحيب، ويحتاج إلى نطاق واضح وإجراءات تنفيذ معلنة.

لكن الواقع الذي نعرفه في القطاع الخاص يشهد استمرار مطالبات عن السنوات نفسها دون تخفيض. ومن حق أصحاب الأعمال أن يعرفوا من يشمله الإعفاء وكيف يستفيد منه. فقد أصبح للإعفاء حياة في الأخبار، وللمطالبة حياة عند شباك التحصيل؛ الأول يطمئن التاجر، والثانية تتكفل بإزالة هذا الاطمئنان!

وضريبة أرباح الأعمال تستوجب التحقق من الربح ومراجعة الخسائر الفعلية. لا يصح التعامل مع سنوات الحرب كأنها مواسم ازدهار. ومن احترقت بضاعته يحتاج إلى فحص عادل لحساباته، لا إلى مطالبته باستخراج أرباح من الرماد؛ فالرماد، مهما اجتهد المحاسب، لا يصلح قائمة دخل.

أما الجبايات، فقد وجّه رئيس الوزراء بعدم إضافة رسوم وضرائب جديدة في المعابر، ورفض التحصيل غير المقنن. لكن قيمة التوجيه تظهر عند مرور الشاحنة، لا عند مرور الخبر في النشرة.

وقد تناولت في مقالات سابقة أثر الرسوم وتكاليف النقل والتمويل على صادرات السمسم والفول السوداني والصمغ العربي. تتراكم الأعباء حتى تصبح تكلفة السلعة أعلى مما يتحمله السوق الخارجي، ثم يُسأل المصدر عن سبب تراجع الصادر. كأننا نضع الحجارة في جواله، ثم نطالبه بالفوز في السباق!

وإذا أضيف سعر تأشيري بعيد عن واقع السوق، أصبح المطلوب إقناع المشتري بدفع زيادة احتراماً للقرار الإداري. لكن المشتري يقارن عروض الموردين، ولا توجد في السوق العالمية نافذة بعنوان «مراعاة ظروف المصدر السوداني».

والأخطر أن يصبح انخفاض قيمة الجنيه هو الذي ينقذ بعض الصفقات مؤقتاً. فهذه فرصة يدفع المواطن ثمنها في معيشته، ولا تصلح أساساً للتنافسية. المطلوب خفض تكلفة الإنتاج والتصدير، حتى يكسب المنتج من كفاءة عمله.

وفوق خسائرهم، تحمّل كثير من أصحاب الأعمال مسؤوليات اجتماعية مضاعفة: إعانة أقارب، ومساندة أسر عاملين، والمساهمة في السكن والعلاج والتعليم. وقد ساعد هذا التكافل كثيراً من السودانيين في مصر وعُمان والسعودية وغيرها على الحفاظ على قدر من الاستقرار والكرامة. وهي مساهمة في صمود المجتمع ينبغي أن تدخل في حسابات التعافي.

نعلم أن الدولة تواجه نفقات حرب وضغوطاً مالية هائلة، لكن استنزاف القاعدة المنتجة يضاعف المشكلة. فما يُحصَّل اليوم على حساب إغلاق منشأة قد يُفقد الدولة غداً وظائف وصادرات وإيرادات لسنوات.

لذلك نحتاج إلى معالجة للديون تربط السداد باستعادة النشاط، ودعم للمصارف يتيح تمويل إعادة التشغيل، وحسم إعفاءات سنوات الحرب وتنفيذها، ووقف فعلي للجبايات غير القانونية. ونحتاج إلى طاولة تجمع الحكومة والمركزي والمصارف وأصحاب الأعمال، بقرارات ومواعيد تنفيذ؛ فقد امتلأت الملفات بمحاضر الاجتماعات، وبقيت المصانع تنتظر الكهرباء ورأس المال.

 

في العلمين، جلس رجل الأعمال إلى جوار من يستطيع فتح سوق جديدة له. وفي السودان، نرجو أن يجد إلى جواره من يساعده على فتح مصنعه او شركته او مكتبه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى