مقالات

تحرير سعر الصرف في السودان: صدمة “العرض والطلب” وأوهام التوازن المفقود

​بقلم: وليد دليل – خبير مصرفي

​حين يُقدم بنك مركزي، في اقتصاد يخرج من حرب مدمرة ويواجه ميزان مدفوعات مثقلاً بالعجز، على التخلي عن أداته الأهم في ضبط سعر الصرف، فإن ذلك لا يُقرأ كإجراء فني عابر، بل كإعلان عن تحول في فلسفة إدارة النقد الأجنبي بأكملها. هذا بالضبط ما فعله بنك السودان المركزي حين أصدر المنشور رقم 2026/16، ملغياً سلسلة من القرارات السابقة، ومانحاً المصارف التجارية حرية تعديل أسعار صرفها المعلنة وشراء حصائل الصادر وفق قوى العرض والطلب. وبذلك يُطوى عملياً نظام “سعر الضخ” الذي ظل أداة البنك الرئيسة للتأثير في السوق، ويُترك تحديد قيمة الجنيه لتفاعل حر بين المصدرين وتجار العملة والبنوك، في وقت يشهد فيه الاقتصاد تراجعاً حاداً للعملة الوطنية ومعدلات تضخم تجاوزت الأرقام الثلاثية لتلتهم القدرة الشرائية للمواطن وتشل الحركة التجارية.

​إن دوافع البنك المركزي لهذا التحرير ليست غامضة؛ فالفجوة بين السعرين الرسمي والموازي اتسعت إلى حد لم تعد معه الإجراءات الإدارية المتقطعة قادرة على احتوائها. وتكشف محاولات البنك المتكررة، من ضخ الدرهم الإماراتي إلى توحيد سعر الصرف في تمويل الاستيراد، عن بحث دؤوب عن صيغة تُبقي حصائل الصادر داخل الجهاز المصرفي بدلاً من تسربها إلى السوق السوداء. فحين تظل الفجوة السعرية مغرية، يفضل المصدر بيع حصيلته خارج القنوات الرسمية، وتضطر الحكومة إلى تمويل عجزها بالإصدار النقدي، فتدخل الدولة في حلقة تضخمية تُفرغ أي تثبيت إداري من مضمونه. ومن هذا المنطلق، يعد القرار محاولة لسحب البساط من تحت السوق الموازي بمنح المصارف قدرة تنافسية حقيقية بدلاً من البقاء حبيسة سعر رسمي بعيد عن الواقع.

​غير أن المعوقات الهيكلية التي تحيط بهذه الخطوة لا تقل خطورة عن دوافعها؛ فالتحرير الحقيقي يفترض وجود احتياطي نقدي أجنبي كافٍ لامتصاص الصدمات وتهدئة التقلبات، وهو أمر لا تتوفر عنه بيانات شفافة تطمئن الأسواق. كما أن التحرير في غياب انضباط مالي حكومي وفي ظل موازنة تعتمد على التمويل التضخمي يجعل من الصعب فصل سعر الصرف عن مصدر الضغط الأساسي عليه. يُضاف إلى ذلك أن اقتصاداً تنشط فيه شبكات تهريب الذهب والوقود، وتتراجع فيه المساحات المزروعة وتتوقف القطاعات الإنتاجية، لن يستجيب لإشارات السعر وفق النظرية الكلاسيكية، فضلاً عن أن اهتزاز ثقة متعاملي النقد الأجنبي بالقطاع المصرفي يدفهم نحو التطبيقات المالية والمنافذ الموازية لسرعة دورانها.

​وكان بإمكان البنك المركزي تفادي التحرير الحر الكامل الذي يضاعف الهلع، عبر تبني نظام “سعر الصرف المدار” المصحوب بضبط صارم للاستيراد وتوجيه الموارد الأجنبية حصراً للسلع الاستراتيجية كالغذاء والدواء والمحروقات، مع ربط الجنيه بسلة عملات لشريكات تجاريات رئيسية تمنحه هامش حركة يحدد أسبوعياً، بالتوازي مع إصلاح نقدي يوقف طباعة النقود بدون تغطية. أما عن السبل الكفيلة بجذب العملة الصعبة، فيظل قطاع الذهب المورد السيادي الأول الجاهز للتسييل شريطة إلغاء احتكاره وتسهيل صادر البورصة وشراء المركزي له بالأسعار العالمية لمكافحة التهريب. تلي ذلك مدخرات المغتربين عبر طرح سندات دولارية بفوائد مجزية وتوفير قنوات تحويل آمنة وزهيدة، واستغلال صفقات المقاصة التجارية لتأمين المواد الخام والمحروقات مقابل السلع الزراعية لتشغيل عجلة الإنتاج.

​تأتي التجربة السودانية الحالية في سياق تاريخي وإقليمي غني بالدروس؛ فالسودان سبق وأن جرّب التعويم الجزئي أواخر العقد الماضي مصحوباً بدعم دولي، ومع ذلك اصطدم سريعاً بضعف الاحتياطي وتفاقم التضخم. وتوضح التجربة المصرية عام 2016 أن التعويم حين يقترن بحزمة دعم ضخمة وانضباط نقدي يمكن أن يقلص الفجوة مع السوق الموازي، بينما تُظهر تجربة نيجيريا الأحدث أن غياب الشفافية في إدارة الاحتياطي يجعل التحرير مصدراً لموجات تضخمية متتالية. أما تجربة لبنان فتمثل الإنذار الأقصى لما يحدث حين يُترك السعر للسوق في ظل انهيار مصرفي وغياب شبكات الأمان، حيث تحول التحرير إلى انفلات كامل أفقد العملة معظم قيمتها. فالقاسم المشترك بين التجارب الناجحة هو وجود غطاء خارجي أو إنتاج حقيقي، وهو ما يبقى السؤال المعلق بشأنه في الحالة السودانية.

​إن استشراف المستقبل يقتضي مراقبة مدى قدرة البنك المركزي على التدخل الفعلي كلما تجاوزت التقلبات الحدود المعقولة، ومدى نجاح الحوافز الجديدة في جذب حصائل الذهب ومدخرات المغتربين إلى داخل الجهاز المصرفي لتضييق الفجوة تدريجياً. فإذا صاحبت الخطوة إجراءات موازية لكبح الإصدار النقدي ولضبط منافذ التهريب، فإن التحرير قد يتحول من مقامرة محفوفة بالمخاطر إلى خطوة أولى في مسار إصلاح أوسع. أما إذا بقيت مرونة التسعير إجراءً شكلياً معزولاً عن سياسة مالية منضبطة وعن معالجة جذور الاختلال في ميزان المدفوعات، فإن قوى السوق السوداء ستستوعب هذه المرونة سريعاً، ليتحول التحرير من أداة لتوحيد السوق إلى وقود إضافي لموجة تضخمية جديدة تضرب القوة الشرائية للجنيه في وقت هو بأمسّ الحاجة فيه إلى الاستقرار لا إلى مزيد من المجازفة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى