مقالات

قبل إنقاذ الجنيه: أنقذوا موارد الدولة

بعد الاطلاع على عدد من السياسات والتوصيات الاقتصادية الجادة التي طرحها مجموعة من الاقتصاديين السودانيين المخضرمين لإنقاذ الاقتصاد السوداني ووقف التدهور المتسارع للجنيه، سواء في جانب السياسات النقدية أو المالية، لفت انتباهي غياب التركيز الكافي على أحد أهم جوانب الأزمة، وهو الترشيد الصارم للإنفاق الحكومي، خصوصاً الإنفاق الذي لا يضيف قيمة مباشرة للاقتصاد أو للمواطن السوداني.

 

في تقديري، فإن أساس معالجة الأزمة الاقتصادية في السودان، وتحديداً في ظل ظروف الحرب واقتصاد الحرب، يجب أن يبدأ من الاستخدام الأمثل للموارد المحدودة، وعلى رأسها النقد الأجنبي.

 

ففي الوقت الذي تدهورت فيه قيمة الجنيه السوداني بأكثر من 100% خلال هذا العام، وفقد الاقتصاد السوداني نسبة كبيرة من ناتجه المحلي الإجمالي، لا يزال من الضروري إعادة النظر بصورة جذرية في أنماط الإنفاق الحكومي، خصوصاً في المجالات التي لا تمثل أولوية في هذه المرحلة.

 

ومن الأمثلة على ذلك المواكب الكبيرة للمسؤولين، والسفر الخارجي للمشاركة في مؤتمرات واجتماعات غير ذات أولوية، وكذلك استمرار بعض البعثات الدبلوماسية في عواصم لا تمثل أولوية استراتيجية أو اقتصادية للسودان في ظل الظروف الراهنة.

 

وهنا أقترح أن تقوم حكومة الأمل بمراجعة شاملة لأداء البعثات السودانية في الخارج، ليس فقط من منظور دبلوماسي، وإنما أيضاً من منظور العائد الاقتصادي والاستراتيجي: ماذا تضيف هذه البعثات للسودان؟ وما الذي يمكن إعادة توجيهه من الموارد المخصصة لها إلى أولويات أكثر إلحاحاً؟

 

فكل مورد يتم توفيره من الإنفاق غير الضروري يمكن أن يمثل مورداً إضافياً لتمويل المشروعات الصغيرة والمتوسطة، ودعم الإنتاج المحلي، وتمكين الشباب والنساء، خصوصاً أن الشباب يمثلون شريحة كبيرة من المجتمع السوداني.

 

ثانياً: سياسة إحلال الواردات يجب أن تكون جزءاً من استراتيجية إنتاجية متكاملة.

 

إن اتخاذ إجراءات للحد من استيراد بعض السلع الغذائية يمكن أن يكون خطوة في الاتجاه الصحيح من منظور الحفاظ على النقد الأجنبي، لكن نجاح هذه السياسة يتوقف على قدرة الاقتصاد المحلي على توفير البديل.

 

لذلك، لا بد أن تترافق هذه الإجراءات مع توفير الكهرباء، وتسهيل التمويل، وتقديم حوافز حقيقية للمشروعات الصناعية والزراعية، ودعم رواد الأعمال والشباب، ووضع خطة صناعية واضحة المعالم لتنفيذ سياسة إحلال الواردات (Import Substitution).

 

لا يمكن أن نطلب من المواطن أو السوق الاستغناء عن المنتجات المستوردة من دون أن نوفر له بديلاً محلياً قادراً على المنافسة من حيث السعر والجودة والاستمرارية.

 

ثالثاً: أين البحث العلمي والابتكار في أولوياتنا الاقتصادية؟

 

وهنا أطرح سؤالاً جوهرياً على المسؤولين عن الاقتصاد السوداني:

 

كم تبلغ نسبة الموازنة العامة المخصصة للبحث العلمي والتطوير والابتكار (Research & Development)؟

 

الاقتصاد الحديث لا يُبنى فقط من خلال السياسات النقدية والمالية، وإنما أيضاً من خلال المعرفة، والابتكار، والتكنولوجيا، والقدرة على تحويل الموارد والأفكار إلى قيمة اقتصادية.

 

العالم يتحرك بوتيرة متسارعة في مجالات الذكاء الاصطناعي، والرقمنة، والتكنولوجيا الزراعية، والتصنيع المتقدم، والطاقة، والخدمات الرقمية. وإذا ظل السودان بعيداً عن هذه التحولات، فإن الفجوة الاقتصادية والتكنولوجية ستتسع بصورة أكبر.

 

السودان يمتلك موارد طبيعية هائلة، وأراضي زراعية واسعة، وثروة حيوانية، وموقعاً جغرافياً مهماً، وقبل كل ذلك يمتلك رأس مال بشرياً قادراً على الإبداع والابتكار.

 

ما نحتاجه هو بيئة تحوّل هذه الإمكانات إلى إنتاج وقيمة مضافة وفرص عمل.

 

إنقاذ الاقتصاد السوداني لن يأتي من إجراء واحد.

 

نحتاج إلى مزيج من الانضباط المالي، وإدارة أفضل للنقد الأجنبي، وترشيد الإنفاق الحكومي، وإعادة توجيه الموارد نحو الإنتاج، وسياسة صناعية واضحة، وتمويل للمشروعات الصغيرة والمتوسطة، واستثمار حقيقي في الشباب والنساء، والأهم من ذلك بناء اقتصاد قائم على المعرفة والابتكار.

 

السودان لا يفتقر إلى الموارد.

 

ما نحتاجه هو أن نستخدم مواردنا المحدودة بكفاءة أكبر، وأن نضع الأولويات الصحيحة، وأن نبدأ اليوم في بناء اقتصاد قادر على الصمود والنمو بعد الحرب.

 

أنقذوا اقتصاد السودان، قبل أن تصبح تكلفة الإنقاذ أكبر من قدرتنا على تحمّلها.

 

طارق علي يوسف

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى