*من شماعة وزارة المالية إلى مسؤولية القطاعات الاقتصادية و الولايات*

*من شماعة وزارة المالية إلى مسؤولية القطاعات الاقتصادية و الولايات*
*لماذا لا تنهض الولايات والقطاعات الاقتصادية بدورها في إصلاح الاقتصاد السوداني؟*
*محمد عنتر – باحث اقتصادي*
كلما تعثر الاقتصاد السوداني، ارتفعت الأصوات مطالبةً وزارة المالية وبنك السودان بتقديم الحلول. وعندما ترتفع الأسعار، يتراجع سعر الصرف، ينخفض الإنتاج أو تتراجع الصادرات، تبدأ الأسئلة: ماذا فعلت وزارة المالية؟ وماذا فعل بنك السودان؟
لا شك أن وزارة المالية وبنك السودان يقع على عاتقهما جزء أساسي من مسؤولية الاستقرار الاقتصادي، لكن اختزال الاقتصاد السوداني في المؤسستين يمثل أحد أخطر التشوهات في التفكير الاقتصادي والإداري نفسه.
*فوزارة المالية لا تملك العصا السحرية، وبنك السودان لا يستطيع وحده أن يزرع حقلاً أو يشغل مصنعاً أو يبني طريقاً أو يجذب مستثمراً أو يرفع إنتاجية ولاية.*
الحقيقة التي يجب أن نواجهها بوضوح هي أن جزءاً كبيراً من التشوهات الاقتصادية السودانية يرتبط بأداء القطاعات الاقتصادية الأخرى، وبضعف الإدارة الاقتصادية في الولايات، وبقصور الكوادر، وبطء صناعة القرار، وعدم استغلال الصلاحيات والموارد المتاحة.
ومن هنا فإن الإصلاح الحقيقي يتطلب أن ننتقل من ثقافة تحميل المركز مسؤولية كل شيء إلى ثقافة توزيع المسؤولية الاقتصادية وربط الصلاحيات بالأداء والمساءلة.
*وزارة المالية وبنك السودان: مسؤولية مهمة ولكنها محددة*
وزارة المالية مسؤولة بصورة أساسية عن إدارة المالية العامة: إعداد الموازنة، تعبئة الإيرادات، ضبط الإنفاق، إدارة العجز والدين، وتوجيه الموارد العامة وفق الأولويات.
أما بنك السودان فيتولى بصورة أساسية السياسة النقدية والاستقرار النقدي والمصرفي وتنظيم الجهاز المصرفي وإدارة السيولة والنظام النقدي.
وهما بالفعل في قلب السياسة الاقتصادية الكلية، وأي خلل في أدائهما ستكون له آثار واسعة على الاقتصاد.
لكن يجب ألا نحمّلهما مسؤولية ما يقع خارج نطاق اختصاصهما.
فوزارة المالية يمكن أن توفر التمويل، لكنها لا تستطيع إجبار وزارة الزراعة على زيادة الإنتاج.
ويمكنها تخصيص الموارد للطاقة، لكنها لا تستطيع إدارة قطاع الكهرباء.
ويمكنها توفير التمويل للبنية التحتية، لكنها لا تستطيع وحدها إصلاح الطرق والموانئ والنقل.
وبنك السودان يستطيع إدارة السياسة النقدية، لكنه لا يستطيع خلق الصادرات من العدم.
السياسة المالية والنقدية تهيئان البيئة الاقتصادية، لكن القطاعات الإنتاجية هي التي تصنع الاقتصاد الحقيقي.
*الاقتصاد الحقيقي يحدث خارج وزارة المالية*
هذه الحقيقة تحتاج إلى أن تصبح جزءاً من الثقافة الاقتصادية في السودان.
الناتج المحلي لا تنتجه وزارة المالية.
الصادرات لا تنتجها وزارة المالية.
المحاصيل لا تزرعها وزارة المالية.
المصانع لا تشغلها وزارة المالية.
السياحة لا تديرها وزارة المالية.
الثروة الحيوانية لا تنتجها وزارة المالية.
والاستثمارات لا تنفذها وزارة المالية.
هذه مسؤولية قطاعات وولايات ومؤسسات وشركات ومزارعين ومستثمرين.
*لذلك فإن السؤال الحقيقي ليس فقط: ماذا فعلت وزارة المالية؟*
بل يجب أن نسأل أيضاً:
ماذا فعلت وزارة الزراعة؟
ماذا فعلت وزارة الصناعة؟
ماذا فعلت وزارة التجارة؟
ماذا فعلت وزارة الاستثمار؟
ماذا فعلت وزارة الطاقة؟
ماذا فعلت وزارة النقل؟
ماذا فعلت الولايات؟
وهنا تبدأ الصورة الحقيقية للاقتصاد السوداني في الظهور.
*ضعف القطاعات الاقتصادية جزء من المشكلة*
لا يمكن إصلاح الاقتصاد إذا ظلت الوزارات والجهات الاقتصادية تنظر إلى وزارة المالية باعتبارها الجهة التي يجب أن توفر الأموال لكل مشكلة.
فالمال العام ليس سياسة اقتصادية في حد ذاته.
إذا طلب قطاع ما مليارات الجنيهات ثم لم يستطع تحويلها إلى إنتاج أو صادرات أو خدمات أفضل، فإن زيادة التمويل لا تعني بالضرورة زيادة النمو.
المشكلة في كثير من الأحيان ليست نقص الموارد فقط، وإنما ضعف القدرة على تحويل الموارد إلى نتائج اقتصادية.
*وهنا تظهر أهمية الكفاءة المؤسسية.*
فالقطاع الزراعي يحتاج إلى كوادر قادرة على التخطيط للإنتاج، وتحديد المحاصيل ذات الميزة النسبية، وتطوير سلاسل القيمة وربط المنتج بالأسواق.
والقطاع الصناعي يحتاج إلى إدارة تعرف كيف تجذب الاستثمار، وتخفض تكلفة الإنتاج، وتطور الصناعة التحويلية.
وقطاع الاستثمار يحتاج إلى موظفين قادرين على تحويل فرص الاستثمار إلى مشروعات جاهزة، بدلاً من الاكتفاء بإصدار التصريحات عن الإمكانات.
وقطاع التجارة يحتاج إلى رؤية للصادرات والأسواق الدولية، وليس مجرد إدارة إجراءات التجارة اليومية.
*المشكلة إذن ليست دائماً في الموارد؛ أحياناً تكون المشكلة في القدرة على إدارة الموارد.*
الولايات: الحلقة الغائبة في المعادلة الاقتصادية
إذا كان هناك جانب يحتاج إلى مراجعة جادة في السودان، فهو الدور الاقتصادي للولايات.
لقد حصلت الولايات، في إطار النظام اللامركزي، على صلاحيات ومسؤوليات واسعة، كما أن كثيراً منها يمتلك موارد طبيعية واقتصادية هائلة.
ومع ذلك، لم يتحول هذا التنوع في الموارد والصلاحيات إلى قوة اقتصادية حقيقية بالقدر المتوقع.
*وهنا يجب أن نكون أكثر صراحة:*
لا يمكن أن تستمر الولايات في المطالبة بالمزيد من الموارد والصلاحيات، بينما لا تظهر في المقابل قدرة كافية على استثمار ما لديها بالفعل من صلاحيات وموارد.
الولاية التي تمتلك الأراضي الزراعية يجب أن تكون قادرة على تطوير الزراعة.
والولاية التي تمتلك الثروة الحيوانية يجب أن تطور القيمة المضافة في اللحوم والجلود والأعلاف.
والولاية التي تمتلك المعادن يجب أن تعمل على تنظيم التعدين وزيادة القيمة المضافة.
والولاية التي تمتلك إمكانات سياحية يجب أن تحولها إلى نشاط اقتصادي.
والولاية التي تقع على طرق التجارة يجب أن تطور قدراتها اللوجستية.
*هذه ليست مسؤولية وزارة المالية وحدها.*
إنها مسؤولية الولاية نفسها أولاً.
المشكلة الأخطر: ضعف الكوادر وصناعة القرار في الولايات
من أهم أسباب ضعف الأداء الاقتصادي الولائي أن بعض الولايات لا تزال تفتقر إلى الكوادر الاقتصادية والفنية القادرة على إدارة اقتصاد محلي حديث.
وجود الصلاحية القانونية لا يعني بالضرورة وجود القدرة المؤسسية على استخدامها.
وقد تكون الولاية مالكة للأرض، والموارد الطبيعية، والموقع الجغرافي، والفرص الاستثمارية، لكن غياب الكادر المؤهل القادر على إعداد الدراسات، وتصميم المشروعات، والتفاوض مع المستثمرين، وإدارة العقود، ومتابعة التنفيذ، يحول هذه الموارد إلى فرص ضائعة.
*والأخطر من ضعف الكوادر هو ضعف صناعة القرار.*
فالقرار الاقتصادي يحتاج إلى سرعة، ومعلومة، ودراسة، وجرأة، ومساءلة.
لكن عندما تتسم الإدارة المحلية بالبطء والبيروقراطية، وتتعدد الجهات التي تحتاج إلى موافقات، ويظل المستثمر ينتظر شهوراً للحصول على قرار يمكن اتخاذه خلال أيام، فإن الولاية تخسر الاستثمار وفرص العمل والإيرادات.
*المستثمر لا ينتظر الحكومة؛ رأس المال يتحرك إلى المكان الذي يجد فيه سرعة القرار ووضوح الإجراءات واستقرار البيئة.*
الموارد وحدها لا تصنع التنمية
من الأخطاء الشائعة في السودان الاعتقاد بأن امتلاك الموارد يعني تلقائياً تحقيق التنمية.
السودان يمتلك الأرض والمياه والثروة الحيوانية والمعادن والموقع الجغرافي والموارد البشرية.
*لكن السؤال الحقيقي ليس:*
ماذا نملك؟
وإنما:
ماذا نفعل بما نملك؟
فقد تمتلك ولاية ملايين الأفدنة ولا تحقق إنتاجاً يتناسب مع إمكاناتها.
وقد تمتلك ولاية موارد معدنية ضخمة ولا تحقق القيمة المضافة المطلوبة.
وقد تمتلك ولاية موقعاً استراتيجياً ولا تستفيد منه تجارياً.
*وهنا تظهر الفجوة بين القدرة الاقتصادية الكامنة والقدرة الاقتصادية الفعلية.*
والفجوة بين الاثنين غالباً لا يصنعها نقص الموارد، وإنما ضعف المؤسسات والكوادر والإدارة وصناعة القرار.
*لا بد من تغيير مفهوم الولاية*
يجب أن نتوقف عن النظر إلى الولاية باعتبارها وحدة إدارية تنتظر التحويلات من المركز.
الولاية الحديثة يجب أن تكون وحدة اقتصادية تنافسية.
أي أن يكون لكل ولاية:
– استراتيجية اقتصادية واضحة.
– خريطة للموارد والميزة النسبية.
– مشروعات استثمارية جاهزة.
– قاعدة بيانات اقتصادية.
– جهاز استثماري فعال.
– كوادر اقتصادية مؤهلة.
– إجراءات سريعة للمستثمرين.
– شراكات حقيقية مع القطاع الخاص.
– أهداف سنوية للإنتاج والاستثمار والتشغيل والصادرات.
وعندها يمكن أن تصبح الولايات محركات للنمو بدلاً من أن تكون مجرد مراكز للإنفاق الحكومي.
*منطق جديد للعلاقة بين المركز والولايات*
المطلوب ليس أن يسحب المركز صلاحيات الولايات، ولا أن يترك الولايات تعمل دون تنسيق.
المطلوب هو توزيع واضح للأدوار.
المركز يضع السياسات الاقتصادية الكلية والمعايير والتشريعات الوطنية.
وزارة المالية تدير الموارد المالية العامة وتضمن الاستدامة المالية.
بنك السودان يدير السياسة النقدية والاستقرار المصرفي.
الوزارات القطاعية تقود قطاعاتها الإنتاجية والخدمية.
والولايات تقود التنمية الاقتصادية داخل حدودها.
والقطاع الخاص يقوم بدوره في الاستثمار والإنتاج والتشغيل.
بهذا تصبح الدولة منظومة متكاملة بدلاً من أن تصبح وزارة المالية مركزاً لكل المطالب والمسؤوليات.
لا تطلب المزيد قبل أن تستثمر ما لديك
من الضروري أن يتغير الخطاب بين المركز والولايات.
*قبل أن تطلب الولاية زيادة التحويلات، يجب أن تسأل:*
كم استخدمنا من مواردنا الذاتية؟
قبل أن تطلب مزيداً من الصلاحيات، يجب أن تسأل:
كيف استخدمنا الصلاحيات الحالية؟
*قبل أن تطلب المزيد من الموظفين، يجب أن تسأل:*
هل لدينا الكفاءات المناسبة فعلاً؟
*وقبل أن تطلب المزيد من المشروعات، يجب أن تسأل:*
كم مشروعاً قائماً نجحنا في تشغيله؟
هذه ليست أسئلة لتقليل دعم الولايات، وإنما لتأسيس علاقة قائمة على المسؤولية والنتائج.
*الحوافز يجب أن ترتبط بالأداء*
من الضروري الانتقال من نظام التحويلات التقليدي إلى نظام أكثر ارتباطاً بالأداء.
فالولاية التي تنجح في زيادة إنتاجها، وتطوير الاستثمار، وتحسين الإيرادات الذاتية، وتسريع الإجراءات، وخلق فرص العمل، ينبغي أن تحصل على حوافز إضافية.
والولاية التي تفشل باستمرار في استخدام الموارد المتاحة يجب أن تخضع للمراجعة والمساءلة وبناء القدرات.
وهكذا تصبح العلاقة:
صلاحية ← موارد ← أداء ← نتائج ← حوافز ومساءلة.
بدلاً من:
مطالب ← تحويلات ← إنفاق ← مطالب جديدة.
*السودان لا يعاني فقط من نقص المال*
ربما تكون هذه هي الرسالة الأهم.
السودان يعاني من نقص الموارد المالية، نعم.
لكنه يعاني أيضاً من نقص القدرة المؤسسية على تحويل الموارد إلى قيمة اقتصادية.
وقد تكون زيادة التمويل ضرورية في قطاعات كثيرة، لكن التمويل دون إدارة كفؤة قد يتحول إلى إنفاق إضافي دون أثر اقتصادي حقيقي.
ولهذا فإن الاستثمار في الكادر الاقتصادي يجب أن يصبح جزءاً من الاستثمار في التنمية نفسها.
نحن بحاجة إلى كوادر في الولايات تستطيع قراءة البيانات، وإعداد دراسات الجدوى، وتحليل الأسواق، وإدارة الاستثمار، والتفاوض على الشراكات، وتصميم مشروعات PPP وBOT، وإدارة العقود، وقياس النتائج.
فالمورد الحقيقي ليس الأرض وحدها ولا الذهب وحده ولا المال وحده؛ المورد الحقيقي هو القدرة على إدارة هذه الموارد.
*الخلاصة* : لا تجعلوا وزارة المالية شماعة للاقتصاد
إن إصلاح الاقتصاد السوداني يتطلب شجاعة في تشخيص المسؤوليات.
وزارة المالية مسؤولة عن المالية العامة.
وبنك السودان مسؤول عن السياسة النقدية والمصرفية.
لكن بقية الاقتصاد مسؤولية بقية الدولة.
الزراعة مسؤولة عن الإنتاج الزراعي.
الصناعة مسؤولة عن التصنيع.
التجارة مسؤولة عن تطوير التجارة والأسواق والصادرات.
الاستثمار مسؤول عن جذب المستثمرين وتحويل الفرص إلى مشروعات.
الطاقة مسؤولة عن توفير الطاقة.
النقل مسؤول عن خفض تكلفة الحركة وربط مناطق الإنتاج بالأسواق.
والولايات مسؤولة عن استثمار مواردها وصلاحياتها وبناء اقتصادات محلية قادرة على المنافسة.
أما القطاع الخاص فهو شريك أساسي في الاستثمار والإنتاج والتشغيل.
ومن الخطأ أن ننتظر من وزارة المالية أن تعالج كل هذه الاختلالات بمجرد زيادة الإنفاق أو توفير التمويل.
وزارة المالية تستطيع أن توفر الموارد، لكنها لا تستطيع أن توفر الكفاءة لكل قطاع.
وبنك السودان يستطيع أن يدير السياسة النقدية، لكنه لا يستطيع أن ينتج السلع والخدمات.
والولايات تستطيع أن تمتلك الموارد والصلاحيات، لكن الصلاحية دون كفاءة تتحول إلى فرصة ضائعة.
لذلك فإن المعركة الحقيقية للاقتصاد السوداني ليست فقط مع العجز المالي أو التضخم أو سعر الصرف؛ إنها أيضاً مع ضعف الكفاءة المؤسسية، وبطء القرار، والبيروقراطية، وضعف الكوادر، وعدم وضوح المسؤوليات، وعدم ربط الصلاحيات بالنتائج.
والحل يبدأ عندما ندرك أن:
«وزارة المالية ليست وزارة الاقتصاد، وبنك السودان ليس وزارة الإنتاج، والولاية ليست مجرد وحدة إدارية، والموارد وحدها لا تصنع التنمية.»
إن السودان يحتاج إلى دولة اقتصادية متكاملة الأدوار: مركز قوي في رسم السياسات والمعايير، وولايات قوية في قيادة التنمية المحلية، ووزارات قطاعية مسؤولة عن الإنتاج والخدمات، وقطاع خاص يقود الاستثمار، وكوادر مؤهلة قادرة على تحويل الموارد إلى قيمة.
عندها فقط يمكن أن ننتقل من سؤال:
“لماذا لم تفعل وزارة المالية شيئاً؟”
إلى السؤال الأكثر أهمية:
*”ماذا فعل كل قطاع وكل ولاية وكل مؤسسة بما لديها من صلاحيات وموارد؟”*
فالنهوض الاقتصادي لا يبدأ عندما تحصل الدولة على موارد أكثر، وإنما عندما تُحسن الدولة استخدام الموارد التي لديها بالفعل.
والسودان لا يحتاج فقط إلى أموال أكثر؛ بل يحتاج قبل ذلك إلى قدرة أكبر على تحويل المال والموارد والصلاحيات إلى إنتاج واستثمار وتشغيل ونمو.


