مقالات

ليست كل حملات الكراهية بين مصر والسودان سياسية.. لكن نتائجها خطيرة

ليست كل حملات الكراهية بين مصر والسودان سياسية.. لكن نتائجها خطيرة

عثمان ميرغني

أتابع باهتمام ما يجري على منصات التواصل الاجتماعي من تصاعد في خطاب الكراهية بين بعض المصريين والسودانيين، لكنني لا أعتقد أن كل ما يُنشر تقف وراءه أجندات سياسية بالضرورة. ففي تقديري، فإن الغالبية العظمى من هذا المحتوى تستهدف قبل أي شيء آخر تحقيق مكاسب مالية، عبر زيادة معدلات المشاهدة والتفاعل.

 

لقد اعتاد السودانيون، بطبيعتهم، إظهار ردود أفعال قوية تجاه ما يستفزهم، وهو ما دفع بعض صناع المحتوى إلى استغلال هذه الطبيعة لتحقيق أعلى معدلات انتشار (Reach)، من خلال نشر محتوى مستفز ومثير للجدل. فكلما كانت العبارات أكثر حدة وإثارة، ارتفع حجم التفاعل، وزادت المشاهدات، وارتفع معها العائد المالي.

 

لكن هذا التفسير لا يقلل إطلاقًا من خطورة الظاهرة، لأن آثارها لا تتوقف عند حدود الفضاء الإلكتروني، وإنما تمتد إلى الواقع، وتنعكس بصورة مباشرة على العلاقات الشعبية بين المصريين والسودانيين، بما يهدد رصيدًا طويلًا من التعايش والروابط التاريخية بين الشعبين.

 

ورغم أنني أميل إلى ترجيح الطابع الفردي لمعظم هذه الحالات، فإنني لا أستبعد في الوقت نفسه وجود غرف إعلامية منظمة تستثمر في خطاب الكراهية لخدمة أجندات سياسية محددة. وتكمن خطورة هذه الغرف في أنها تعمل بصورة احترافية ومنهجية، بما يمكنها من تعظيم الضرر وتعميق مشاعر الاحتقان بين الشعبين.

 

وأرى أن أحد الأسباب الرئيسية التي سمحت بتفاقم هذه الظاهرة يتمثل في غياب الدور الإعلامي الفاعل. فوسائل الإعلام تكتفي في كثير من الأحيان برصد الظاهرة ونقلها، لكنها لا تبادر إلى تصحيح الصورة أو مواجهة حملات التحريض، وهو ما يخلق فراغًا إعلاميًا تستغله الحسابات التي تروج للكراهية، فتتمدد رواياتها وتزداد قدرتها على التأثير.

 

ومن هنا، فإن الإعلام اليوم مطالب بأداء دور مركب يقوم على مسارين متوازيين. الأول هو الدور الوقائي، ويتمثل في سد هذا الفراغ الإعلامي، ومنع الأجندات الضارة من استغلاله، لأن أي غياب للتناول المهني والمتوازن للعلاقات المصرية السودانية سرعان ما تملؤه الخطابات المحرضة على الكراهية.

 

أما المسار الثاني، فيتمثل في صناعة أجندة إعلامية إيجابية تعزز المصالح المشتركة بين الشعبين، من خلال إدراك وسائل الإعلام لمسؤوليتها الوطنية والمهنية، ووضع استراتيجية إعلامية حصيفة قادرة على تحصين العلاقات المصرية السودانية من التأثر بالأزمات العابرة أو الحملات المنظمة.

 

كما يجب أن تركز هذه الأجندة على إبراز المشتركات التاريخية التي تجمع البلدين، وتشجيع التداخل الاقتصادي والاجتماعي، ودعم الدور الذي يمكن أن يقوم به رجال الأعمال والقيادات المجتمعية والمؤسسات الثقافية في ترسيخ العلاقات بين مصر والسودان، باعتبار أن هذه الروابط هي الضمانة الحقيقية لتجاوز أي حملات تحريض أو محاولات لزرع الفتنة بين الشعبين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى