صورتان لموازنة واحدة: بين تفاؤل الوزارة وأرقام الواقع

وليد دليل — خبير مصرفي
حين يعلن وزير المالية في مؤتمره الصحفي أن الوزارة التزمت بحزمة إصلاحات دون فرض أعباء جديدة على المواطن، وأن الإيرادات العامة سجلت تحسنًا ملحوظًا خلال النصف الأول من العام، فإن القارئ المتابع لتفاصيل الاقتصاد السوداني يجد نفسه أمام سؤال مشروع لا يمكن تجاوزه بسهولة: أي نصف من الصورة نراه في هذا الخطاب، وأي نصف بقي خارج الكادر؟ فالموازنة الطارئة لعام 2026، التي وصفها رئيس الوزراء عند إجازتها بأنها “معجزة تاريخية” تستهدف نموًا في الناتج المحلي بنحو تسعة بالمئة وخفضًا لمتوسط التضخم إلى خمسة وستين بالمئة، تقدّم اليوم اختبارًا حقيقيًا لمدى قدرة الخطاب الرسمي على الصمود أمام أرقام الشارع.
والحق أن هناك إنجازات لا يجوز التقليل من شأنها، فالتوسع في نظام السداد والتحصيل الإلكتروني “إيصالي” وتعميمه على جميع الجهات الإيرادية، إلى جانب تطبيق الفاتورة الإلكترونية وتشديد الرقابة على الإعفاءات الجمركية، يمثل تحولًا بنيويًا حقيقيًا في بلد اعتاد لعقود أن يفقد نسبة كبيرة من إيراداته في قنوات التهرب والإعفاءات غير المنضبطة. وحين تعلن الوزارة زيادة الإيرادات دون فرض ضرائب أو رسوم جديدة، وتعزو ذلك إلى التوسع الأفقي في القاعدة الضريبية بدل التوسع الرأسي في معدلاتها، فإن هذا خيار سليم من الناحية النظرية، لأنه يوسّع دائرة الملتزمين بدل أن يرهق الملتزمين أصلًا بمزيد من الأعباء. وقد رافق ذلك أيضًا مسعى لضبط أداء الهيئات والشركات الحكومية عبر تعديلات تشريعية تعزز رقابة وزارة المالية عليها، وهو ملف طالما شكّل نزيفًا صامتًا في المال العام السوداني بسبب تشتت الولاية الرقابية بين جهات متعددة.
غير أن هذا التفاؤل الرسمي يصطدم بواقع اقتصادي مغاير حين نغادر قاعة المؤتمر الصحفي إلى بيانات الجهاز المركزي للإحصاء ذاته؛ فمعدل التضخم السنوي، رغم تراجعه التدريجي من ذرى قياسية تجاوزت أربعمائة بالمئة في منتصف 2021، لا يزال يراوح فوق الخمسين بالمئة حتى يونيو 2026، بل إن مجموعة الأغذية والمشروبات، وهي البند الأكثر حساسية لمعيشة الأسرة السودانية، سجلت ارتفاعًا سنويًا فاق أربعة وخمسين بالمئة، بمعنى أن ما كان يكفي الأسرة بعشرة آلاف جنيه قبل عام صار يحتاج اليوم إلى خمسة عشر ألفًا ومئة وثمانية وعشرين جنيهًا تقريبًا. هذه ليست تفصيلة إحصائية هامشية، بل هي جوهر السؤال الذي يجب أن يُطرح على أي تقرير أداء حكومي: ما جدوى زيادة الإيرادات الاسمية إذا كانت القوة الشرائية للمواطن تتآكل بهذا المعدل، وما معنى القول بعدم فرض أعباء جديدة إذا كان التضخم نفسه يفرض على كل أسرة عبئًا يفوق أي ضريبة مباشرة يمكن تخيلها؟
والأكثر دلالة أن الوزارة نفسها، بعد أقل من أسبوعين من ذلك المؤتمر المتفائل، اضطرت للاعتراف أمام مجلس الوزراء بمحدودية الإيرادات وتعاظم المصروفات، عازية ذلك إلى تداعيات أزمة الشرق الأوسط وتمرد قوات الدعم السريع وارتفاع المصروفات الحربية. وهذا التناقض الظاهري بين خطاب “التحسن الملحوظ” وخطاب “محدودية الإيرادات” ليس بالضرورة كذبًا متعمدًا بقدر ما هو انعكاس لطبيعة الاقتصاد السوداني في زمن الحرب، حيث تتحسن مؤشرات جزئية كفعالية التحصيل بينما تتدهور مؤشرات كلية كالإيراد الحقيقي المعدّل بالتضخم وتكلفة خدمة المجهود الحربي؛ لكن الإشكال الحقيقي هو في أن الخطاب الرسمي يميل دائمًا لإبراز الوجه الأول وحجب الوجه الثاني عن الجمهور العام، بينما يُبقي الاعتراف بالصعوبات الحقيقية حبيس اجتماعات مغلقة لا تصل تفاصيلها إلا عبر تسريبات إعلامية لاحقة.
ثم هناك سؤال أعمق يتعلق بجودة الإنفاق لا بحجم الإيراد وحده؛ فحين تعلن الوزارة التزامها بتوجيه الصرف التنموي نحو دعم القوات النظامية ومعركة الكرامة كأولوية، جنبًا إلى جنب مع إعادة تأهيل البنية التحتية ودعم القطاعات الإنتاجية وتهيئة عودة النازحين، فإننا أمام معادلة صعبة بطبيعتها في أي اقتصاد حرب: كل جنيه يُصرف على المجهود العسكري هو جنيه لا يذهب إلى الكهرباء أو الصحة أو التعليم، والعكس صحيح أيضًا. والمشكلة أن التقارير الرسمية نادرًا ما تكشف عن النسب الفعلية لهذا التوزيع بين البندين، رغم أنها المعلومة الأكثر أهمية لأي مواطن أو مستثمر يحاول فهم أولويات الدولة الحقيقية بمعزل عن العناوين العريضة. فحين يُقال إن الوزارة “وفت بالصرف التنموي” دون تفصيل دقيق لحصة كل قطاع، يبقى الحكم على الأداء معلّقًا في فراغ لا يخدم الشفافية التي تدّعيها الوزارة نفسها حين تتحدث عن نظام إلكتروني متكامل لمتابعة الهيئات والشركات الحكومية.
وما يستحق التوقف عنده أخيرًا هو الفجوة بين لغة “المعجزة” التي استُقبلت بها الموازنة عند إجازتها في نهاية العام الماضي وبين واقع اقتصاد لا يزال يرزح تحت انهيار قيمة العملة وتراجع مستمر في القوة الشرائية، وهي فجوة لا تُغلق بمزيد من البيانات الصحفية المتفائلة، بل بمصارحة تدريجية تعترف بأن استعادة الاستقرار المالي في بلد يخوض حربًا داخلية ويتأثر بأزمة إقليمية خارجة عن إرادته، مسار طويل ومتعرج لا يُختصر في مؤشر نمو متوقع أو نسبة تضخم مستهدفة. فالثقة التي تحتاجها وزارة المالية، سواء من المواطن العادي أو من الشركاء الدوليين المحتملين، لن تُبنى بخطاب الإنجاز وحده، بل بالقدرة على تفسير التناقضات حين تظهر، والاعتراف بأن كل تحسن جزئي في آلية التحصيل يظل عاجزًا عن إخفاء الصورة الأكبر لاقتصاد ما زال ينزف تحت وطأة حرب لم تضع أوزارها بعد.



