مقالات

حين يتحدث الجيش بلغة الاقتصاد: قراءة في حوار البرهان الوطني وامتداداته المصرفية

وليد دليل... خبير مصرفي

خطاب الفريق أول عبد الفتاح البرهان في احتفالات الجيش بالعيد الثاني والسبعين لم يكن، في جوهره، خطاباً عسكرياً محضاً، رغم أنه أُلقي في مناسبة تحتفي بمنظومة الصناعات الدفاعية وتستعرض تطهير الدولة من تمرد المليشيا. من يقرأ النص بعين المصرفي، لا بعين المحلل السياسي وحده، يجد أن الرجل كان يتحدث عن شرط أساسي لأي تعافٍ اقتصادي مقبل: استقرار المناخ العام الذي تُبنى عليه الثقة، وهي السلعة الأولى التي يحتاجها أي نظام مصرفي منهك قبل أن يحتاج السيولة أو رأس المال.

الأمن السياسي والأمن الاقتصادي، كما يقول عنوان هذا التحليل، وجهان لعملة واحدة، وليسا مسارين متوازيين. فحين ينهار الأمن السياسي، لا ينهار فقط الاستقرار المؤسسي، بل ينهار معه سعر الصرف، وتتوقف المراسلة المصرفية مع الخارج، وتتآكل الثقة في الجهاز المصرفي المحلي إلى درجة يهرب معها المودع من العملة الوطنية نفسها. هذا ما شهدناه بالضبط منذ اندلاع الحرب في أبريل: تدهور متسارع في قيمة الجنيه، وانكماش في قنوات التحويل الرسمية، وتضخم في السوق الموازية يعكس فقدان الثقة أكثر مما يعكس ندرة السلع. فحين يتحدث البرهان عن “حوار وطني شامل” و”مناخ عام تسوده الحريات”، فهو يتحدث بلغة غير مباشرة عن الشرط الأول لعودة الثقة، وهي الثقة التي لا يمكن لأي بنك مركزي أو سياسة نقدية أن تصنعها بمعزل عن استقرار سياسي حقيقي.

لكن المقصود بالحوار في حديث البرهان يحتاج تدقيقاً. الرجل حدد ثلاثة قيود واضحة: أن الدولة ليست الجهة المنظمة له ولا المحددة لأجندته ومخرجاته، وأن ما يُتخذ من إجراءات بحق بعض المشاركين هو وقف للإجراءات الجنائية لا عفو، بمعنى أن الحصانة مؤقتة ومشروطة ولا تسقط حقوق أصحاب البلاغات، وأن أقوال المشاركين في جلسات الحوار لا يجوز أن تُستخدم أساساً للملاحقة. هذه صياغة قانونية دقيقة، تكشف أن الدولة تحاول أن تفتح باباً للحوار دون أن تتنازل عن سيادتها القضائية، وهو توازن دقيق بين الانفتاح السياسي والحفاظ على هيبة المؤسسة. غير أن هذا التوازن نفسه هو ما يجعل السؤال عن القوى التي تقف خلف الحوار، وعن حجمها وقبولها الشعبي، سؤالاً مشروعاً لا يمكن تجاوزه.

فالحوار الذي دعا إليه البرهان يبدأ من الخرطوم، بضمانات الدولة، وأجندته الأولى وقف الحرب ونزع سلاح المليشيات قبل الانتقال إلى الشأن السياسي. وهذا يتقاطع مع مسار آخر، ظل يتشكل في نيروبي وأديس أبابا، بتمويل خارجي موثق عبر منظمات وسيطة، وبأجندة معكوسة تبدأ بتقاسم السلطة وتؤجل قضية السلاح إلى ما بعد التسوية. الفارق بين المسارين ليس شكلياً، بل جوهري من الناحية الاقتصادية أيضاً: فأي تسوية سياسية تُبنى قبل استعادة احتكار الدولة للسلاح، ستظل هشة أمام أي مصرف مركزي أو مؤسسة مالية دولية تقيّم مخاطر الاستثمار في السودان، لأن المخاطرة السيادية لا تُقاس بالنوايا بل باستقرار مؤسسات الدولة الفعلي. وهذا بالضبط ما جربناه في اتفاقيات سابقة امتدت من أديس أبابا 1972 إلى نيفاشا 2005 وجوبا 2020: تسويات سياسية سبقت حل قضية السلاح، فانتهت جميعها إلى دورة عنف جديدة، وتكلفة اقتصادية تراكمية لم يتعافَ منها الاقتصاد السوداني حتى اليوم.

مشكلة الحوار إذن ليست في مبدئه، فالحوار ضرورة لا رفاهية في بلد أنهكته الحرب. المشكلة في شرعية من يتصدر المسارات البديلة، وفي تضارب الولاءات حين يكون بعض الممولين الخارجيين لهذه المسارات هم أنفسهم أطرافاً متورطة، سياسياً أو لوجستياً، في دعم المليشيا المتمردة. من الناحية الاقتصادية البحتة، فإن أي مسار تفاوضي تقوده جهات ترتبط بتمويل خارجي غير شفاف، تسري عليه مخاوف مشروعة تتعلق بالحوكمة والمساءلة، وهي نفس المخاوف التي يطرحها أي محلل ائتماني حين يقيّم شفافية أي كيان مؤسسي قبل التعامل معه.

الحل، من زاوية اقتصادية، لا يكمن في إقصاء أي طرف من الحوار، بل في ترسيخ قاعدة الأسبقية: الدولة أولاً، ثم السياسة. استعادة احتكار السلاح ليست شرطاً أمنياً فحسب، بل شرط اقتصادي بامتياز، لأنها المدخل الوحيد لاستعادة الثقة في الجهاز المصرفي، وتفعيل المراسلة الدولية، وإعادة تفعيل قنوات تحويل عائدات الصادر بعيداً عن دورة التذبذب التي شهدناها في قرارات البنك المركزي المتلاحقة خلال الأشهر الماضية. فالمستثمر، سواء كان مصرفاً مراسلاً أو مانحاً دولياً أو تاجر صادر محلي، لا يقرأ الخطابات السياسية بقدر ما يقرأ مؤشر استقرار الدولة كمؤسسة قادرة على فرض القانون داخل حدودها.

واستشرافاً للمستقبل، فإن تجربة ما بعد سقوط الإنقاذ نفسها تحمل درساً لا يجب تكراره: فترة انتقالية طويلة، بلا إجماع وطني حقيقي حول أولويات الإصلاح، أنتجت حكومة مثقلة بالخلافات السياسية عجزت عن معالجة الاختلالات الهيكلية في سعر الصرف والموازنة العامة، فورثت الحرب اقتصاداً هشاً أصلاً قبل أن تُجهز عليه المعارك. الدرس هنا أن أي حوار مقبل، مهما اتسعت مشاركته، لن يُنتج استقراراً اقتصادياً حقيقياً ما لم يُبنَ على تسلسل واضح: وقف الحرب، ثم استعادة احتكار الدولة للسلاح، ثم فتح الباب أمام تعددية سياسية حقيقية تُدار من داخل مؤسسات الدولة لا من فنادق العواصم الإقليمية. ستون عاماً من تجربة البدء بالتفاوض السياسي وتأجيل قضية السلاح كانت كافية لإثبات أن هذا الترتيب لا يُنتج سوى دورة جديدة من عدم الاستقرار، وفاتورة اقتصادية يدفعها المواطن السوداني وحده، جوعاً وتضخماً وانهياراً في قيمة عملته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى