العيد في الحيشان الثلاثة.. صلاة الجمعة بمسجد التلفزيون القومي بعد التحرير
ام درمان : د. معاوية عبيد

منذ أكثر من خمسة عشر يوماً كانت الاستعدادات تتواصل في الحيشان الثلاثة الإذاعة السودانية والتلفزيون القومي وقناة النيل الأزرق احتفاءً بالعيد الثاني والسبعين للقوات المسلحة في مناسبة وطنية عظيمة شاركت في الاحتفال بها مؤسسات إعلامية وقنوات وإذاعات أخرى ، غير أن للعيد في هذه الحيشان الثلاثة طعماً مختلفاً فالمناسبة جاءت في توقيت استثنائي اجتمعت فيه بشريات عدة الاحتفال بذكرى المولد النبوي الشريف والانتصارات التي تحققها القوات المسلحة في محاور كردفان ودارفور فضلاً عن مصادفة الاحتفال ليوم الجمعة خير أيام الأسبوع وأعظمها ، وكان المشهد الأبرز في التلفزيون القومي إقامة أول صلاة جمعة في مسجده العتيق بعد التحرير ذلك المسجد الذي دنسته المليشيا المتمردة قبل أن تمتد إليه أيادي العاملين وأهل الحيشان بالإعمار والترميم ليعود من جديد منبراً للذكر والصلاة ، حيث لم تكن صلاة الجمعة مجرد شعيرة دينية تؤدى في مسجد عاد إلى الحياة وإنما حملت في معناها رسالة أخرى من رسائل الانتصار في معركة الكرامة فعودة الصلاة إلى المسجد الذي عانى من الانتهاك والتدنيس تمثل إعلاناً و إعلاماً بأن الحياة ستعود إلى كل شبر دنسته الحرب وأن إرادة أهل السودان أقوى من آثار الخراب ، وأمَّ المصلين الشيخ مستور آدم الذي تناول في خطبته دور الإعلام في معركة الكرامة مؤكداً أن الإعلام رسالة ومسؤولية ومستشهداً بأن الرسل عليهم السلام كانوا أول من حملوا رسالة التبليغ إلى الناس داعياً الإعلاميين إلى الصدق في أقوالهم وأفعالهم وإلى الانتماء الصادق للوطن وقضاياه
وحذّر خطيب الجمعة من السير في طريق أولئك الذين انحازوا إلى المليشيا المتمردة وسخروا أقلامهم ومنابرهم لترويج الأكاذيب والافتراءات مؤكداً أن الإعلام الحقيقي ينبغي أن يكون صوتاً للحق وأن الكلمة مسؤولية وأمانة خصوصاً في أوقات الحروب والأزمات.
وفي خطبة الجمعة كان للمولد النبوي الشريف حضوره حيث دعا الخطيب إلى التأسي بسيرة المصطفى صل الله عليه وسلم وأخلاقه مؤكداً أن محبة النبي الكريم لا ينبغي أن تكون مرتبطة بمناسبة محددة وإنما يجب أن تظل حاضرة في حياة المسلم وسلوكه في كل يوم
حيث استشهد بالآية الكريمة: ( إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ ۚ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا ) لتكتمل لوحة اليوم بين ذكرى المولد وصلاة الجمعة واحتفالات القوات المسلحة بعيدها الثاني والسبعين.
وعقب الصلاة تعانق المصلون وقد علت وجوههم الفرحة والرضا حيث لم تكن فرحة احتفال عابر بل فرحة العودة إلى الديار التي أحبوا وإلى مؤسساتهم التي ظلوا ينتمون إليها وإلى مسجد عاد يستقبل المصلين بعد أن حاولت الحرب أن تطفئ فيه نور العبادة
وفي هذه المناسبة الوطنية الخالدة نتقدم بخالص التهاني والتبريكات للقوات المسلحة السودانية بمناسبة عيدها الثاني والسبعين وللقوات المساندة والمستنفرين والبراءون مهنئين بما تحقق من انتصارات في مختلف محاور القتال، ومؤكدين أن السودان في هذه المعركة يقف صفاً واحداً خلف قواته الوطنية
جيش واحد.. شعب واحد.
ونسأل الله تعالى أن يشفي الجرحى والمصابين، وأن يتقبل الشهداء قبولاً حسناً، وأن يعيد المأسورين إلى أهلهم سالمين، وأن يمنح قواتنا المسلحة والقوات المساندة القوة والمنعة والثبات وأن يحفظ السودان وشعبه ويعيد إليه الأمن والاستقرار ويصون وحدته وعزته وأن يظل وطننا العظيم شامخاً عزيزاً أبياً
في ذلك اليوم بدا التلفزيون القومي وكأنه يستعيد جزءاً من روحه مسجد يعود للصلاة ومنابر تعود للكلمة وعاملون يعودون إلى مواقعهم وراية القوات المسلحة ترفرف في مناسبة عيدها الثاني والسبعين
لقد كانت صلاة الجمعة الأولى بعد التحرير في مسجد التلفزيون القومي أكثر من صلاة كانت مشهداً من مشاهد عودة الحياة ورسالة بأن المؤسسات الوطنية ستنهض من بين الركام وأن الخراب مهما طال عمره لا يستطيع أن يهزم إرادة البناء
ومن داخل الحيشان الثلاثة كان العيد مختلفاً عيداً للقوات المسلحة واحتفاءً بالمولد النبوي الشريف وفرحة بالانتصارات وعودة للصلاة في مسجد طالته يد الانتهاك لكنه عاد اليوم عامراً بالمصلين ، إنها صلاة جمعة بطعم الانتصار… ورسالة بأن ما دمرته الحرب ستعيده إرادة أهل السودان، حجراً حجراً ومؤسسة مؤسسة وحيّاً حيّاً
وكل عام وقواتنا المسلحة بخير وعزة ومنعة.. وكل عام والسودان أكثر قوةً ووحدةً وانتصاراً


