مقالات

بنكك وأزمة الثقة الرقمية: حين يتحول الحل إلى عبء إضافي على المواطن

 

وليد دليل 

خبير مصرفي 

منذ تغيير العملة وتصاعد موجات التضخم التي أكلت القيمة الشرائية للجنيه السوداني، لم يعد التحول نحو التطبيقات المصرفية خياراً ترفيهياً بل ضرورة معيشية فرضتها ندرة الكاش وتراجع توفر السيولة الورقية في الأسواق، حتى صار قطاع واسع من المواطنين يعتمد على هذه القنوات الرقمية في أدق تفاصيل حياته اليومية، من شراء الخضروات في الأسواق الشعبية إلى تسديد الفواتير وشراء الأدوية المنقذة للحياة، وهو ما يؤكده مسؤول مصرفي مطلع على أن هذا التوسع جاء استجابة مباشرة لضغط الظروف الاقتصادية وتراجع السيولة النقدية المتاحة. هذا التحول نقل الدفع الإلكتروني والتطبيقات البنكية من خدمة محدودة الاستخدام إلى أداة يعتمد عليها قطاع واسع من المواطنين في معاملاتهم اليومية، حتى بات التجار أنفسهم، بمن فيهم من لم يعتد التعامل مع التكنولوجيا المالية، مضطرين للانخراط فيها بحكم الواقع الجديد الذي فرضته أزمة السيولة.  

وفي قلب هذا التحول يقف بنك الخرطوم بوصفه الأقدم والأعرق في القطاع المصرفي السوداني، إذ تأسس أصلاً كفرع لبنك باركليز البريطاني عام 1913 قبل أن يتحول إلى كيان وطني رائد يُعد اليوم عضواً رئيسياً في اتحاد المصارف السودانية. ويمتلك البنك ميزانية عمومية بقيمة مليار دولار أمريكي، وتضم مجموعته نحو ثلاثة آلاف موظف وما يقارب مئة وخمسين فرعاً ومكتب صرافة، إلى جانب أكثر من ثلاثمئة وخمسة وعشرين جهاز صراف آلي وإيداع نقدي، وهي أكبر شبكة فروع وأجهزة صراف في السودان. هذا الحجم التشغيلي الضخم هو ما يجعل من “بنكك”، تطبيقه المصرفي، أداة ذات ثقل نظامي لا يخص عملاءه المباشرين فحسب، بل يمتد أثره إلى الاقتصاد الحقيقي بأكمله، بحكم الحصة السوقية الكبيرة التي يستحوذ عليها البنك من حيث الانتشار الجغرافي وقاعدة العملاء مقارنة ببقية المصارف العاملة في البلاد.  

وتكشف بيانات البنك المركزي الرسمية حجم هذا التحول الرقمي على مستوى القطاع المصرفي كله، لا في بنكك وحده، وإن كان بنك الخرطوم يمثل الحصة الأكبر منه بحكم ريادته. فقد أعلن بنك السودان المركزي عبر ذراعه الفني، شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية، أن عدد المعاملات المنفذة عبر منصة التحويلات بين الحسابات المصرفية باستخدام رقم الحساب المصرفي الأساسي ارتفع من نحو 92.8 مليون معاملة خلال عام 2025 إلى نحو 141.5 مليون معاملة في النصف الأول من عام 2026 فقط، بنسبة نمو بلغت 52.44 بالمئة، ليتجاوز إجمالي المعاملات المنفذة خلال الفترة كلها حاجز 234 مليون معاملة، وهو ما اعتُبر من أعلى معدلات النمو في قطاع المدفوعات الرقمية بالمنطقة. هذه الأرقام وحدها كافية لتوضيح حجم المقامرة التي تنطوي عليها أي هشاشة تقنية في تطبيق مصرفي بحجم بنكك، فحين تتوقف خدمة تُعالج عبرها عشرات الملايين من المعاملات شهرياً، فإن الأثر لا ينحصر في إزعاج تقني عابر، بل يتحول إلى اضطراب فعلي في الشريان المالي اليومي لملايين الأسر، خصوصاً تلك التي تعتمد بالكامل على القنوات الرقمية بعد أن غابت عنها بدائل الكاش الورقي.

والمفارقة أن هذا النمو المتسارع في الاعتماد على القنوات الرقمية لم يقابله تطور مواكب في آليات حماية المستهلك المالي أو الشفافية المؤسسية عند حدوث الأعطال. فحين يتعطل تطبيق بحجم بنكك، الذي يخدم شريحة تمثل جزءاً وازناً من قاعدة العملاء المصرفيين في البلاد نظراً لموقع البنك الريادي في شبكة الفروع والصرافات الآلية، دون إعلان مسبق ودون تفسير لاحق، فإن ذلك يكشف عن غياب أي التزام مؤسسي بمعايير استمرارية الخدمة التي تليق بحجم الاعتماد الجماهيري عليها. والأخطر أن هذا التعطل يقع في ظرف اقتصادي هش أصلاً، حيث يعتمد أصحاب الدخول المحدودة والعاملون بالمياومة على هذه التطبيقات في تدبير قوتهم اليومي، فيتحول العطل التقني من مسألة تشغيلية بحتة إلى أزمة معيشية فعلية قد تحرم مريضاً من دواء أو أسرة من احتياجاتها في لحظة حرجة.

وإذا كان جزء من التشديد على الرقابة الرقمية مبرراً في سياق محاربة المضاربة على سعر الصرف وضبط تدفقات العملة، فإن الحل لا يكمن في هشاشة تشغيلية تصيب قاعدة عريضة من صغار المتعاملين، بل في تبني أدوات أكثر دقة وعدالة، من قبيل وضع سقوف يومية للتحويلات تتناسب مع طبيعة النشاط المالي لكل حساب، وتكثيف إجراءات التحقق من البيانات وتحديثها دورياً، مع تركيز الرقابة الفعلية على الحسابات ذات الحركة النشطة وغير المعتادة والمبالغ الكبيرة، بدلاً من أن يدفع أصحاب الودائع الزهيدة ثمن سياسات مصممة أصلاً لمواجهة كبار المضاربين. كما أن اتساع الرقعة الجغرافية للتغطية الشبكية في السودان يفرض على البنك التفكير في حلول تقنية بديلة تتيح إتمام العمليات الأساسية حتى في ظروف ضعف الاتصال، تخفيفاً من اعتماد المواطن الكلي على استقرار خادم واحد يخدم بمفرده هذا الكم الهائل من المعاملات.

إن استمرار توقف الخدمات المصرفية الرقمية دون تعويض أو تفسير أو اعتذار رسمي يضع على عاتق بنك السودان المركزي مسؤولية مباشرة في إلزام المؤسسات المصرفية، وفي مقدمتها بنك الخرطوم بوصفه صاحب الحصة السوقية الأكبر وأكبر شبكة خدمية في البلاد، بمعايير واضحة لاستمرارية الخدمة وحماية حقوق المتعاملين، عبر آليات تعويض معلنة كلما ثبت أن التعطل ألحق ضرراً مباشراً بالمواطن. فالثقة في التحول الرقمي المصرفي، الذي أثبتت أرقامه الرسمية أنه بلغ معدلات نمو استثنائية خلال عام واحد، لا تُبنى بالشعارات، بل بالمساءلة الفعلية والشفافية في التعامل مع الأزمات، وأي تهاون في هذا الجانب لن يضر فقط بسمعة المؤسسة المعنية، بل سيقوّض تدريجياً ثقة الجمهور في منظومة كاملة أصبح الاقتصاد السوداني، في ظل الحرب وندرة الكاش، أحوج ما يكون إلى تماسكها واستقرارها كأحد أعمدة الصمود المالي للمواطن السوداني.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى