من الدعم السياسي إلى الشراكة المؤسسية: ماذا يعني مجلس التعاون السعودي السوداني للاقتصاد المصرفي؟

وليد دليل — خبير مصرفي
حين تنتقل علاقة بين دولتين من طور التنسيق السياسي المتقطع إلى طور المؤسسة الدائمة، فإن ذلك يحمل دلالة تتجاوز البروتوكول الدبلوماسي إلى صميم البنية الاقتصادية التي ستُبنى عليها العلاقة لسنوات مقبلة. وهذا بالضبط ما يمثله الإعلان عن توقيع اتفاقية تأسيس مجلس التعاون والتنسيق الاستراتيجي بين السعودية والسودان؛ فالفارق بين مساعدة عابرة تُقدَّم في لحظة أزمة وبين مجلس مؤسسي يضم عشرة ملفات اقتصادية تحت مظلة واحدة هو فارق بين الإحسان والاستثمار، وبين علاقة تُدار بالمزاج السياسي وأخرى تُدار بجداول زمنية وأهداف رقمية قابلة للقياس والمساءلة.
وما يستحق التوقف عنده أولًا هو ترتيب الملفات نفسها، فإعادة الإعمار تتصدر الأجندة، وهذا منطقي في بلد لا يزال يحصي خسائر بنيته التحتية من كهرباء وطرق ومنشآت اقتصادية دمرتها الحرب؛ لكن الأهم من مجرد الإدراج هو أن إعادة الإعمار حين تُطرح ضمن إطار استثماري مؤسسي، لا كمنحة إنسانية، فإنها تفرض منطقًا مختلفًا تمامًا في التنفيذ: عقود، وضمانات، وعوائد متوقعة، وهو ما يحوّل التمويل السعودي من بند في موازنة المساعدات الخليجية إلى رأس مال يبحث عن جدوى اقتصادية حقيقية داخل السودان. وهذا التحول، إن تحقق فعليًا، يحل إشكالًا بنيويًا عانى منه السودان طويلًا، وهو اعتماده على تمويل غوثي قصير الأمد بدل تدفقات استثمارية طويلة الأمد تخلق دورة اقتصادية مستدامة.
وحين ننتقل إلى ملف التمويل والمصارف تحديدًا، وهو الأقرب إلى اختصاصي، فإن إدراجه صراحة ضمن الملفات العشرة يحمل إشارة مهمة لمن يتابع تعثر القطاع المصرفي السوداني منذ اندلاع الحرب؛ فالبنوك السودانية العاملة، سواء تلك التي أعادت فتح فروعها في مناطق مستقرة أو التي لا تزال تعمل بقدرات محدودة، تحتاج إلى ما هو أكبر من السيولة المحلية المتاحة، وتحتاج تحديدًا إلى علاقات مراسلة مصرفية يعاد بناؤها مع مؤسسات مالية إقليمية موثوقة قادرة على تسهيل التحويلات والاعتمادات المستندية التي توقفت أو تعثرت بفعل العقوبات وتراجع الثقة الدولية في النظام المصرفي السوداني. فإذا ترجم هذا الملف إلى تسهيل فتح خطوط ائتمان سعودية للبنوك السودانية، أو دعم إعادة تفعيل علاقات المراسلة عبر مصارف سعودية كبرى، فإن الأثر سيكون أعمق بكثير من أي مساعدة نقدية مباشرة، لأنه يعالج جذر المشكلة، لا عرَضها.
كذلك فإن إدراج الذهب والتعدين ضمن الأجندة يفتح بابًا حساسًا يستحق مقاربة أكثر واقعية من مجرد الحديث عن “استثمارات مشتركة”؛ فالمشكلة البنيوية في قطاع الذهب السوداني ليست غياب المستثمر، بل تفشي التهريب وضعف السيطرة الرسمية على سلاسل الإنتاج والتصدير، وهو ما يجعل أي تعاون استثماري سعودي في هذا القطاع مرهونًا بمدى قدرة الدولة السودانية على ضبط منافذ التصدير غير الرسمية أولًا، وإلا فإن الاستثمار الجديد سيصطدم بذات البنية المشوهة التي تُسرّب عائدات القطاع خارج الموازنة العامة منذ سنوات.
أما ملفا الزراعة والثروة الحيوانية، فهما يمثلان منطقة التقاء مصالح واضحة يندر أن تتوفر بهذا الوضوح في علاقة ثنائية؛ فالسودان يملك موارد زراعية وحيوانية هائلة لم تُستغل يومًا بالقدر الذي يوازي حجمها، بينما تحتاج المملكة، في ظل محدودية مواردها الزراعية الذاتية، إلى تأمين مصادر غذاء مستقرة خارج حدودها. وإذا ترافق هذا التوجه مع تطوير فعلي للبنية التحتية اللوجستية، من طرق ومرافق تخزين وتبريد، فإن هذا الملف وحده قادر على أن يصبح أحد أهم روافد النقد الأجنبي للسودان في مرحلة ما بعد الحرب، شريطة ألا يبقى حبيس الإعلانات وينتقل فعليًا إلى مشروعات ذات جداول زمنية محددة، كما أشار محللون اقتصاديون إلى ضرورة ذلك.
ولعل أكثر الملفات إثارة للاهتمام من زاوية جيوستراتيجية هو ملف البحر الأحمر والموانئ، فهذا الملف يتجاوز البعد الاقتصادي المحض إلى ما هو أعمق، إذ يضع السودان في موقع شريك مباشر في أمن الملاحة بالبحر الأحمر في وقت تشهد فيه المنطقة تحولات متسارعة، وهو ما قد يمنح الخرطوم أوراق تفاوض إضافية تتجاوز حدود العلاقة الثنائية إلى مكانتها الإقليمية ككل.
غير أن الإنصاف يقتضي التنبيه إلى أن نجاح هذا المجلس، مهما بلغ اتساع أجندته، سيُقاس في النهاية بمعيار واحد لا غير: القدرة على الانتقال من التوقيع إلى التنفيذ. فالمنطقة شهدت من قبل أطر تعاون واسعة الطموح تحولت إلى وثائق أرشيفية بعد حفل التوقيع، والفارق هذه المرة هو الإشارة إلى دعم سياسي رفيع المستوى يمتد إلى القيادتين مباشرة، وهو عامل قد يمنح المجلس زخمًا تنفيذيًا حقيقيًا إن استمر. وفي كل الأحوال، فإن أهم اختبار مبكر لجدية هذا المسار لن يكون في نص الاتفاقية الموقعة في السابع عشر من أغسطس، بل في أول مشروع ملموس يُترجم من هذه الملفات العشرة إلى عقد فعلي وتدفق تمويل حقيقي داخل الاقتصاد السوداني المنهك.


