دون تاريخ إنتاج أو انتهاء… “شاي ولبن” مجفف يغزوان الأسواق

هل أصبحت صحة المواطن في خطر؟
كتب: بهاء الدين أحمد السيد
فوضى في العرض وغياب البيانات
شهدت الأسواق خلال الأسابيع الماضية تدفق كميات كبيرة من اللبن المجفف و”الشاي”، تُعرض في أوانٍ متآكلة ومكشوفة تحت أشعة الشمس، وسط شوائب متعددة وصلت في بعض الحالات إلى وجود حشرات نافقة ومخلفات حيوانية.
الأخطر أن هذه المنتجات تُطرح دون تاريخ إنتاج أو انتهاء، أو تحديد بلد المنشأ، أو علامة تجارية، ما يجعل مصدرها وظروف تخزينها مجهولة، ويثير تساؤلات مشروعة حول سلامتها ومدى صلاحيتها للاستهلاك الآدمي

البيع في “الدرداقات” والمواقف العامة
لا يقف الأمر عند العرض العشوائي، بل تُباع هذه السلع في المواقف العامة عبر “الدرداقات”، كما تُعرض داخل بعض المحال التجارية في أوعية بدائية مثل “طشّات الغسيل الحديدية”، في مخالفة صريحة لقوانين الصحة العامة والمواصفات والمقاييس.
هذا المشهد، الذي اتسع خلال فترة الحرب نتيجة ضعف الرقابة، أصبح واقعًا مقلقًا يهدد صحة المستهلكين.

كيف تدخل هذه المنتجات إلى الأسواق؟
تشير المعطيات إلى أن هذه السلع تدخل البلاد بصورة قانونية، بموجب تصاديق تمنح للموردين بغرض استخدامها كمدخلات إنتاج أو لإعادة تعبئتها في عبوات صغيرة وفق الاشتراطات المعتمدة.
غير أن بعض الموردين، وبحسب ما توصل إليه التحقيق، يتجاوزون تلك التعهدات ويطرحون المنتجات مباشرة في الأسواق دون إعادة تعبئة أو رقابة، سعيًا لتحقيق أرباح سريعة، وهو ما يمثل مخالفة واضحة للضوابط المنظمة.
خبير اقتصادي: منافسة غير مشروعة ووضع مختل
في هذا السياق، يؤكد خبير اقتصادي أن ما يجري يعكس خللًا واضحًا في بنية السوق، حيث تتحمل الشركات الملتزمة تكاليف تشغيل مرتفعة تشمل العمالة، والتعبئة، والتغليف، والنقل، في ظل تحديات الكهرباء والوقود، بينما تتجاوز أطراف أخرى هذه التكاليف بالكامل وتطرح منتجاتها بشكل مباشر.
ويشير إلى أن هذا الوضع يخلق منافسة غير مشروعة، ويقوض مبدأ عدالة السوق، وقد يؤدي إلى نتائج خطيرة، من بينها عزوف الشركات النظامية عن الإنتاج أو اتجاهها نحو أسواق خارجية، ما يحرم الاقتصاد من موارد مهمة.
وشدد على ضرورة تدخل الجهات المختصة بحزم لإزالة هذا التشوه.
قانونيون: النصوص واضحة والتنفيذ هو التحدي
من جانبهم، أوضح قانونيون أن قانون المواصفات والمقاييس لسنة 2008 يتضمن عقوبات رادعة، تصل إلى الغرامة أو الحبس أو كليهما، بحق كل من:
يطرح سلعًا غير مطابقة للمواصفات
يزوّر بيانات المنتجات
يضلل المستهلك
وأشاروا إلى أن المشكلة لا تكمن في ضعف القوانين، بل في مدى تطبيقها وإنفاذها على أرض الواقع.
خبراء أغذية: مخاطر صحية جسيمة
يحذر خبراء في مجال الأغذية من أن استخدام اللبن المجفف منتهي الصلاحية أو المخزن بصورة غير سليمة يشكل خطرًا مباشرًا على صحة الإنسان، إذ قد يؤدي إلى تلوث ميكروبيولوجي يسبب التسمم الغذائي، والإسهال، والقيء، والآلام المعوية.
كما أشاروا إلى احتمال احتواء بعض المنتجات الرديئة على مركبات ضارة مثل الكوليسترول المتأكسد، المرتبط بأمراض القلب والشرايين.
أما الشاي المعروض في الهواء الطلق، فيكون عرضة لتراكم الأتربة والملوثات، وقد يحمل بقايا مبيدات أو جراثيم، ما يؤدي إلى تهيج الجهاز التنفسي وفقدان جودته.
مباحث التموين: حملات وضبطيات
في المقابل، برزت جهود مباحث التموين وحماية المستهلك من خلال تنفيذ حملات ميدانية مكثفة في الأسواق، أسفرت عن ضبط كميات كبيرة من السلع المخالفة، في خطوة تعكس تنامي الدور الرقابي خلال الفترة الأخيرة.
المواصفات والمقاييس: تحذير نهائي
عززت الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس هذه الجهود بإصدار إعلان تحذيري شددت فيه على ضرورة التزام الموردين وأصحاب المصانع بالتعهدات القانونية الخاصة بإعادة التعبئة وفق المواصفات.
وأكدت الهيئة أن طرح العبوات الكبيرة مباشرة في الأسواق يُعد مخالفة خطيرة تستوجب اتخاذ إجراءات قانونية فورية، واعتبرت الإعلان بمثابة إنذار نهائي.
كما دعت المواطنين إلى التبليغ عن أي مخالفات عبر الرقم (5960).
داعية إسلامي: المسؤولية مشتركة
وفي بُعد مجتمعي، شدد الداعية محمد علي الفاضلابي على أن المستهلك يمثل خط الدفاع الأول في مواجهة هذه الظواهر، داعيًا إلى عدم الصمت عن السلع الفاسدة أو التلاعب في الأوزان والمعايير.
وأكد أن التبليغ عن المخالفات واجب لحماية المجتمع، مشيرًا إلى أن الضرر الناتج عن هذه الممارسات يطال الجميع.
خاتمة: معركة تتطلب الحسم
ما يجري في الأسواق لم يعد حالات فردية، بل ظاهرة متنامية تستوجب تدخلًا حاسمًا ومستمرًا من الجهات المختصة، عبر تكثيف الحملات الرقابية، ومتابعة المخازن، وتشديد التفتيش على الطرق ومكاتب نقل البضائع.
وفي ظل هذه التحديات، يبقى وعي المواطن عنصرًا حاسمًا… فالإقبال على سلع مجهولة المصدر قد يعني تعريض الصحة لمخاطر جسيمة.
ونواصل…


