مقالات

*الاتجار في المخدرات: آفة الحرب وأدوات الاستغلال*

مع إندلاع الحرب في السودان، لم يقتصر الدمار على البنية التحتية والأرواح، بل تمدّد ليشمل النسيج الاجتماعي بأسره، ممهداً الطريق لتفشٍّ مريع لظاهرة الاتجار في المخدرات. تلك الظاهرة التي تحولت فيها المخدرات من مجرد سلعة إلى أداة للسيطرة والاستغلال. وقد تجاوز الأمر حدود الاتجار التقليدي ليصل إلى مستوى الحرب القائمة على ضرب المجتمع، حيث أصبحت المخدرات سلاحاً فتّاكاً بيد لوردات ميليشيا الدعم السريع.

أدت الحرب إلى شلل تام للمؤسسات الرقابية والأمنية، حيث تم استهداف المراكز الشرطية بشكل منهجي، مما أدى إلى إخلاء المدن الرئيسية من جهاز الأمن والشرطة، تاركاً فراغاً أمنياً هائلاً استغله تجار المخدرات. كما توقفت المحاكم والنيابات عن العمل، وأصبحت السجون مفتوحة أو مهجورة، مما يعني غياب الردع القانوني الكامل. وعلى الصعيد الاقتصادي والاجتماعي، فقدَ مئات الآلاف وظائفهم، مما خلق جيشاً من العاطلين المستعدين لأي عمل، بما فيه تهريب وترويج المخدرات. كما أصبح النازحون عرضة للاستغلال، حيث تُستخدم المخدرات وسيلة للسيطرة عليهم، خاصة النساء والأطفال. ودفع التضخم الكثيرين للجوء إلى تجارة المخدرات باعتبارها مصدراً سريعاً للدخل.

قامت ميليشيا الدعم السريع بخطوة استراتيجية خطيرة؛ تمثلت في إطلاق سراح آلاف المجرمين من السجون. وتم تجنيد العديد من هؤلاء المجرمين ضمن صفوف الميليشيا، مستغلين خبراتهم الإجرامية، كما أصبح المجرمون المطلقون نواة شبكات إجرامية منظمة متخصصة في تجارة المخدرات، يديرها قادة الميليشيا مباشرة أو عبر وكلاء بعد دحرهم من المدن. وقد أدى تدمير ملفات السجون إلى عدم إمكانية ملاحقة هؤلاء المجرمين أو حتى معرفة هوياتهم. 

وتحوّل قادة الميليشيا إلى لوردات مخدرات يديرون إمبراطوريات إجرامية، فقد وفّروا الحماية المسلحة للقافلات المخدرة مقابل نسبة من الأرباح، وسيطروا على طرق التهريب الرئيسية ونقاط العبور، واستخدموا عائدات المخدرات لشراء السلاح وتمويل العمليات العسكرية، مما يخلق دائرة مفرغة من العنف والجريمة.

لم يعد الأمر يقتصر على البنقو والأفيون التقليدي، بل شهد السوق السوداني ثورة مخدرة خطيرة. دخلت مواد اصطناعية رخيصة التكلفة وعالية الضرر، مثل الفنتانيل والميثامفيتامين والآيس، تسبِّب الإدمان السريع والوفيات. كما انتشرت الخلطات القاتلة التي تمزج المخدرات بمواد كيميائية صناعية مثل مبيدات الحشرات، لزيادة الفعالية وتقليل التكلفة، مما يؤدي إلى أضرار عصبية دائمة. وظهر مفهوم الاتجار المُدمر؛ حيث يتم تزويد المدمن بالمخدرات مقابل خدمات مثل السرقة والتجسس والعمليات الانتحارية والاستغلال الجنسي، ثم مطالبته بسداد الدين بفوائد مرتفعة، مما يؤدي إلى الاسترقاق المعاصر. كما استهدفت هذه المخدرات الفئات الهشة، حيث تم تزويد الأطفال المجنّدين قسراً بالمخدرات لإخماد الخوف وضمان الطاعة العمياء، واستخدمت المخدرات أداة للسيطرة على النساء النازحات، وإجبارهن على العمل في الاستغلال الجنسي أو كحوامل للمخدرات.

وجدت شبكات إقليمية ودولية في السودان فرصة ذهبية؛ نظراً لموقعه الجغرافي الاستراتيجي، الذي يجعله جسراً للتهريب نحو أوروبا والشرق الأوسط. وقد وفرت الحرب بيئة مثالية لتحويل السودان إلى دولة مخدرات. كما تم استخدام عائدات تجارة المخدرات في شراء الذهب والعقارات، مما يغسل الأموال ويدعم الاقتصاد الموازي للحرب. وهناك مؤشرات على استهداف مدروس للشباب السوداني بالمخدرات، لإفراغ المجتمع من طاقاته المقاومة، وبناء شبكات من المدمنين القابلين للتجنيد والاستغلال في صراعات مستقبلية، واستخدام المخدرات أداة لتفكيك الأسرة والمجتمع، مما يسهل السيطرة على البلاد.

لمواجهة هذه الظاهرة الخطيرة، يجب العمل على عدة مستويات متوازية. على المستوى الأمني والعسكري، يجب إعادة تموضع الشرطة، من خلال إنشاء وحدات شرطة متنقلة تعمل في المناطق المحررة، مدربة على مكافحة المخدرات في بيئات الحرب. كما يجب البدء الفوري في إعادة بناء قواعد بيانات السجناء المطلقين والمجرمين الخطرين، وتشكيل وحدة مالية خاصة لتتبع مصادر تمويل تجارة المخدرات وتجميد أصول لوردات الحرب. على المستوى الصحي والاجتماعي، ينبغي إنشاء مراكز علاج متنقلة في مخيمات النازحين، توفر العلاج المجاني والسرية، وإطلاق مشاريع لإعادة دمج المدمنين السابقين في المجتمع من خلال التدريب المهني والتوظيف، وتوفير خدمات الصحة النفسية للنازحين والمتضررين، لمنع اللجوء إلى المخدرات كملاذ. على المستوى القانوني والدولي، يجب إصدار قوانين مؤقتة، تشدد العقوبات على تجارة المخدرات في أوقات الحرب، مع ضمانات لحقوق المدمنين كضحايا، وتفعيل اتفاقيات مكافحة المخدرات مع الجيران لإغلاق طرق التهريب، والضغط لفرض عقوبات دولية على قادة الميليشيات المتورطين في تجارة المخدرات. على المستوى الاقتصادي والتنموي، ينبغي إطلاق مشاريع إغاثة إنتاجية، توفر دخلاً بديلاً للشباب المعرّض للاستغلال، وتوفير إقامات آمنة للنازحين بعيداً عن مناطق النفوذ الميليشي، مع برامج حماية خاصة للنساء والأطفال، 

وإطلاق حملات إعلامية مجتمعية، تكشف مخاطر ظاهرة الاتجار والاستغلال بالمخدرات. وعلى المستوى الوقائي طويل المدى، يجب إعادة بناء جهازي الشرطة والقضاء بشكل شامل بعد الحرب، مع التركيز على مكافحة الفساد، وإدخال برامج التوعية بمخاطر المخدرات في المناهج الدراسية، وتمكين المنظمات المحلية من رصد الظاهرة وتقديم الدعم المجتمعي.

إن ظاهرة الاتجار في المخدرات الآن، هي استراتيجية ممنهجة لإعادة تشكيل المجتمع السوداني وفق أجندات إجرامية وسياسية. إن تجاهل هذه الظاهرة يعني السماح بتحويل جيل كامل من الشباب السوداني إلى أدوات بلا إرادة. إن المعركة ضد المخدرات في السودان اليوم، هي امتداد للمعركة من أجل الحرية والكرامة. ولا يمكن الفصل بين إسقاط الميليشيات وإسقاط إمبراطوريات المخدرات التي بنتها، فالعدو واحد والمعركة واحدة. يتطلب الأمر إرادة وطنية حقيقية، وتضامناً دولياً فاعلاً، وعملاً مجتمعياً متواصلاً لاستعادة السودان من براثن هذه الآفة، قبل أن تصبح جزءاً من هويته المستقبلية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى