
وائل عبدالخالق مالك
ليس من المبالغة القول إن ما يجري اليوم في وسط السودان يحدد مصير البلاد بأكملها. فولايات الجزيرة والنيل الأبيض وسنار لم تكن يومًا مجرد ولايات عادية في خارطة السودان بل شكّلت عبر عقود طويلة العمود الفقري للاقتصاد السوداني ومصدر توازنه الاجتماعي وسلة غذائه الأساسية. وحين اختل هذا القلب بدأ الجسد كله في الانهيار.
المشكلة الحقيقية ليست فقط في الحرب ولا في تراجع الإنتاج الزراعي ولا حتى في أزمة الخدمات التي يلمسها الناس يوميًا. جوهر الأزمة أعمق من ذلك بكثير وهي فشل الدولة في إدارة هذا الإقليم بوصفه وحدة اقتصادية واجتماعية واحدة والتعامل معه بمنطق التجزئة والقرارات الموسمية والحلول المؤقتة. لذلك فإن وسط السودان اليوم يدفع ثمن سياسات لم تُصمم له أصلًا. سياسات خاطئة تتمثل في زراعة بلا تمويل عادل وري بلا صيانة ومزارع يزرع وهو لا يعرف سعر محصوله إضافة إلي خدمات أساسية تُدار بعقلية الطوارئ لا الرؤى الاستراتيجية. ومع اندلاع الحرب انكشف هذا العطب بالكامل وتحولت ولايات الوسط من مناطق إنتاج إلى مناطق حرب واستقبال نزوح وضغط إنساني يفوق طاقتها.
أي حديث جاد عن نهضة السودان عامة والوسط خاصة يجب أن يبدأ من الإنسان المنتج. يبدأ من المزارع في الحواشة والنساء في الريف والشاب الذي يبحث عن عمل والنازح الذي فقد كل شيء. هؤلاء ليسوا فئات هامشية بل هم مركز المعادلة. حين يُترك المزارع وحيدًا أمام السوق وحين تُدار الخدمات كمنحة لا كحق وحين يغيب الحكم المحلي الحقيقي فإن النتيجة تكون واحدة وهي فقدان الثقة ثم الانسحاب الصامت من الدولة.
ما يحتاجه وسط السودان ليس وعودًا كبيرة بل سياسات واضحة يمكن للناس أن يفهموها ويحاسبوا عليها.
سعر محصول معلوم قبل الزراعة لا بعدها.
تمويل يُسترد بعد الحصاد لا عند بداية الموسم.
مياه ري تصل إلى آخر حواشة لا إلى مكاتب التقارير.
خدمات صحية وتعليمية تُدار كخطوط حمراء لا كبنود قابلة للتأجيل.
النهضة هنا لا تعني القفز مباشرة إلى مشاريع عملاقة بل ترتيب الأولويات. إنعاش الإنتاج أولًا ثم التعافي ثم التحول. إعادة تشغيل الأرض قبل الحديث عن القيمة المضافة وإعادة بناء الثقة قبل الحديث عن الاستثمار وتمكين الحكم المحلي قبل المطالبة بالواجبات المركزية.
هنا يبرز طرح تحالف الوسط للعدالة والتنمية بوصفه محاولة لكسر الحلقة المفرغة التي عاشتها المنطقة طويلًا. ليس لأنه يمتلك حلولًا سحرية بل لأنه ينطلق من فرضية بسيطة لكنها حاسمة وهي أن وسط السودان لا يجب أن يُدار من المركز ولا يُنقذ بلجان مؤقتة بل بتنظيم الناس حول مصالحهم المباشرة وبنقل السلطة والموارد إلى حيث توجد المشكلة فعلًا.
تحالف الوسط للعدالة والتنمية كما يطرح نفسه لا يدّعي أنه بديل للدولة بل يسعى ليكون أداة ضغط وتنظيم ورقابة. دوره أن يقول بوضوح هذه أولويات أهل الوسط وهذه حقوقهم وهذه الخطوط التي لا يجوز تجاوزها. تحالف الوسط ليس تحالف سياسي فقط لكنه أيضًا تحالف مجتمعي يقوم على بناء القواعد لا انتظار التعليمات.
الخطر الأكبر إن استمر تجاهل هذه الحقائق والمطلوبات هو أن يتحول وسط السودان من منطقة استقرار تاريخي إلى بؤرة توتر دائم. النزاعات حول الأرض والمياه والعمل بدأت بالفعل ومع غياب إدارة عادلة ستتوسع. عندها لن تنفع المعالجات الأمنية لأن أصل المشكلة اقتصادي واجتماعي في جوهره. والرهان الحقيقي اليوم ليس على من يرفع شعارًا أعلى بل على من يستطيع أن يربط السياسة بحياة الناس اليومية. أن يشرح لهم ماذا سيتغير في موسم الزراعة القادم وفي المدرسة القريبة وفي المركز الصحي وفي سوق المحاصيل. فالسياسة التي لا تُترجم إلى خبز وأمان وخدمة تظل مجرد خطاب. وبهذه المفاهيم فإن وسط السودان لا يحتاج منقذًا بل شراكة واعية. وإدراك بأن مشروع نهضة الوسط لن يُبنى بقرار فوقي بل بإعادة الاعتبار للإنسان المنتج وبحكم محلي قوي وباقتصاد زراعي حديث يخدم الناس قبل أن يخدم الأرقام.


