مقالات

وسقط غطاء المليشيات بجرائم الفاشر

من حروفي

خالد الفكي سليمان

يمثل توقيت صدور تحقيق الأمم المتحدة بشأن الانتهاكات المنسوبة لميليشيات آل دقلو الإرهابية في الفاشر محطة سياسية وقانونية بالغة الدلالة، تتجاوز حدود التوثيق الحقوقي إلى إعادة تموضع دولي وإقليمي إزاء مسار الحرب في السودان. فالتقرير، بما أورده من معطيات حول القتل الجماعي، والاستهداف العرقي المنسق، والاغتصاب والتعذيب، لا يكتفي بوصف الفظائع، بل يقترب من توصيف قانوني خطير يضع الأفعال في سياق مؤشرات الإبادة الجماعية.

 

 

الفاشر، عاصمة ولاية شمال دارفور، تحولت وفق ما خلصت إليه نتائج التحقيق إلى مسرح لجرائم ممنهجة، شملت استهدافاً على أساس العرق والجنس، واعتداءات جنسية طالت فتيات ونساء تتراوح أعمارهن بين سبع وسبعين عاماً، فضلاً عن فرض ظروف معيشية قاسية تهدف إلى التدمير المادي والمعنوي لجماعات بعينها. هذه الوقائع، مقترنة بإشارات إلى تأييد من القيادة العليا لما جرى، تنفي صفة “التجاوزات الفردية” وتؤكد الطابع المنظم للجرائم.

 

 

دلالة التوقيت تكمن في أنه يأتي بعد أشهر من تصاعد الضغوط الحقوقية وتراكم الأدلة، وفي لحظة بدأت فيها موازين الخطاب الدولي تميل من الحياد الحذر إلى تحميل المسؤولية. فمنذ إطلاق الرصاصة الأولى في هذه الحرب، بدا أن ثمة غطاءً سياسياً وإقليمياً غير مباشر أتاح للدعم السريع هامش حركة واسعاً، سواء عبر بيانات فضفاضة تدعو إلى “ضبط النفس”، أو عبر مقاربات تساوي بين الدولة وميليشيا متمردة في المسؤولية.

 

 

غير أن توصيف الجرائم في الفاشر باعتبارها غير عشوائية، ومرتبطة بهرم قيادة أيدها علناً، يضع المجتمع الدولي أمام اختبار أخلاقي وقانوني. فالإبقاء على مسافة رمادية لم يعد ممكناً مع تصاعد الأدلة على الاستهداف العرقي والعنف الجنسي المنهجي. كما أن صدور التحقيق في هذا التوقيت قد يعكس تحوّلاً في الإرادة الدولية نحو رفع الغطاء الذي طالما حجب المساءلة، وفتح الباب أمام آليات عقابية أو قضائية أوسع.

 

 

سياسياً، يمنح التقرير الحكومة السودانية ورقة قانونية مهمة في مخاطبة الإقليم والعالم بلغة موثقة، بعيداً عن السجال الدعائي. وفي المقابل، يضيّق الخناق على أي محاولة لإعادة تسويق الميليشيا كطرف سياسي طبيعي في معادلة انتقالية.

إن ما جرى في الفاشر ليس حدثاً معزولاً، بل اختبار لضمير المجتمع الدولي. وتوقيت الكشف عنه قد يكون إيذاناً بمرحلة جديدة، عنوانها: سقوط الحصانة المعنوية، وبداية العدّ التنازلي للمساءلة.

 

khalidfaki77@gmail.com

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى