
بقلم : ابراهيم عدلان
حديث مقترح منح مدير عام سودانير “كامل الصلاحيات لمدة ثلاثة أشهر” يثير أكثر من علامة استفهام… بل يفتح باباً واسعاً للتساؤل المشروع.
أولاً:
أي مدير عام – وفق أبسط مبادئ الحوكمة – يُعيَّن ليُدير، لا ليُستأذن كل صباح. فإذا كانت صلاحياته “ممنوحة” ومقيدة بزمن، فهذا يعني أن الأصل ليس بيده، وأن هناك جهة أعلى تحتفظ بالخيوط، وتقرر متى تُرخِيها ومتى تشدّها.
فمن هي هذه الجهة؟
هي عادةً أحد أمرين:
• الوزارة المالكة أو المساهم الأكبر (إن كانت الشركة مملوكة للدولة).
• أو مجلس الإدارة إن كان يمارس دوراً تنفيذياً لا رقابياً.
وهنا مكمن الخلل.
القانون التجاري في أي شركة مساهمة واضح:
• مجلس الإدارة يضع السياسات ويعتمد الخطط ويراقب الأداء.
• المدير العام هو السلطة التنفيذية الكاملة لإدارة العمليات اليومية.
فإذا احتجنا إلى “تفويض خاص” لمدة ثلاثة أشهر، فهذا إقرار ضمني بأن الهيكل الإداري مختل، وأن المدير لا يعمل في بيئة مستقرة، بل في حالة اختبار أو وصاية.
ثانياً:
لماذا ثلاثة أشهر؟
هل هي فترة طوارئ؟
هل هي مهلة تجريب؟
هل هناك خوف من اتخاذ قرارات جريئة؟
إدارة ناقل وطني بحجم سودانير لا تُدار بعقلية “التجربة القصيرة”، بل برؤية استراتيجية تمتد لسنوات، لا لربع سنة.
ثالثاً – والأهم:
نعم، آن الأوان – بل تأخر الوقت – لاستقلال كامل للناقل الوطني.
لا يمكن لشركة طيران أن تنهض وهي:
• مقيدة بقرارات بيروقراطية.
• خاضعة لتدخلات سياسية.
• أو محكومة بموافقات إجرائية في كل خطوة.
الناقل الوطني يجب أن يُدار كشركة تجارية احترافية، لا كوحدة إدارية حكومية.
لكن الاستقلال لا يعني الانفلات.
هنا يأتي دور مجلس إدارة رشيق من أهل الخبرة:
مجلس لا يتكون من محاصصات أو مجاملات، بل من:
• خبير مالي يعرف كيف يُعيد هيكلة الديون.
• خبير عمليات طيران يفهم الأسطول والتكاليف.
• متخصص تسويق ونقل جوي.
• قانوني متمرس في عقود الطائرات والاتفاقيات الثنائية.
هذا المجلس لا يتدخل في التشغيل اليومي، بل:
• يضع الخطة الاستراتيجية.
• يحدد مؤشرات الأداء.
• يحاسب المدير على النتائج.
• ويدعمه في القرارات الكبرى (شراء طائرات، اتفاقيات شراكة، تمويل).
أما المدير العام، فصلاحياته التنفيذية يجب أن تكون كاملة وغير منقوصة ما دام في موقعه.
إما أن نثق به ونعطيه التفويض الكامل طوال فترة تعيينه،
أو نغيّره.
أما صيغة “صلاحيات كاملة مؤقتة” فهي رسالة سلبية للسوق، وللممولين، وللشركاء الدوليين، وتوحي بعدم استقرار مؤسسي.
الناقل الوطني لا ينهض بالشعارات، بل بالحوكمة الرشيدة، والفصل الواضح بين:
• الملكية
• الرقابة
• والتنفيذ
وقد آن الأوان أن تُدار سودانير بعقلية شركة طيران عالمية، لا بعقلية إدارة مرفق حكومي.
وعجبي… بعد كل هذه السنوات، ما زلنا نناقش أبجديات الحوكمة.



