مقالات

صلاح الدين الفاضل ما بين الرؤية و السمع

ضي المسارب

بقلم  غازي حسين محمد علي 

   الراديو ( المذياع ) هذا الجهاز السمعى المدهش يُعد من أقدم الوسائل الاعلامية المتخصصة فى نقل الرسالة الاعلامية سماعاً ، ما جعل صانعى العمل الإذاعى يتفوقون بمعرفتهم بقيمة الرسالة الاعلامية و يجتهدون فى كيفية ايصالها للمستمع عبر البرامج الاذاعية بكل أشكالها الثقافية _ الفنية _ التراثية و الأدبية ، و كيفية تقديم كل هذا الإبداع بمذاق و مزاج يتوافق مع شخصية المستمع السودانى فى كل الأوقات و لكل الاعمار .

   هنا أم درمان إذاعة جمهورية السودان ، هذا الربط و هذه الجملة العميقة . إلتفت حولها العديد من الأسماء والنجوم و المبدعين و رموز الفن على مر الزمن ، فأصبحت أسماء لا تخطؤها الآذآن ، ارتبطت بوجدان و ضمير الأمة السودانية . 

  هنا أم درمان (حوش الإذاعة) هذا عالم آخر . تتوسط هذا الحوش شجرة نخيل عالية ، ظللنا نأكل من حلو ثمارها كل عام دون أن تبخل علينا يوما ( نرمى حجراً ترمى ثمراً ) . و الشئ الأجمل فى حوش الإذاعة ، تلتقى بالفنانين و الممثلين و الاذاعيين و المبدعين و ضيوف الإذاعة . و هنا يكمن الامتاع البصري و انت تقابل و تجالس و تحكى مع هؤلاء الذين يعانقون أسماع الأمة السودانية ، فتأخذ المعلومة و النصح و الارشاد . فجمال العمل الإذاعى يبدأ من داخل الحوش مع هؤلاء الذين يحترمون و يجملون الكلمة ، بل و ينسجون لها خيوط من نور يكسونها بريق الإبداع و فن المحتوى ، لتصبح مبصرة تبحث عن طريقها الذى يخاطب وجدان و ضمير الأمة السودانية . فجمال العمل الإذاعى ليس فى الإمتاع السمعي فحسب ، و إنما فى المبدعين الذين يقومون بحمل هذه الرسالة و يعملون بإخلاص و تفانى و حب لهذا الصوت الذى يدخل كل البيوت و المحال من غير استئذان . العمل داخل استديوهات الاذاعة له طعم و طابع خاص . إحساس و تعبير المذيع مع المكتوب ( المادة المُعَدة ) . تعابير و إحساس المخرج و حركته داخل الاستديو . روعة فني الصوت فى التحكم ما بين المزج الفواصل و المداخل بأنامله التى تداعب مكسر الصوت و تلعيب الريل ( الشريط المغنطيسي _ أصبح الآن ديجيتال ) . حقيقة جمال و متعة العمل الإذاعى تكمن فى التكوين و إدارة المحتوى . فن الإستماع و التشبع بالارتباط الوجدانى للراديو ، لا يأتى من فراغ . فخلايا العمل في حالة دائمة من النشاط وهي تجمع رحيق الإبداع وتخرجه شهداً منسالاً من فرق الاعداد والتقديم ضمن خارطة برامجية متجددة ومتقنة ودقيقة على مر السنين منذ أن صدحت الاذاعة (هنا أم درمان ). فكيف لا يستمتع المستمعون عند سماع الأستاذ محمد وردانى حمادة و هو يقرأ التقرير الاخبارى و يتمايل و يهتز جسمه طرباً لذلك الأداء السمعى العجيب . كيف لا ينجذب عندما تطالعه الراحلة نجاة كبيدة فى نشرة الصباح و تتوسط الاستديو بثوبها الأبيض مفتتحة بدعائها الدائم : متعكم الله بالصحة و العافية . كيف ولا عندما تشاهد الأستاذ كمال محمد الطيب يضع يده على أذنه فى قراءة النشرات ليسمع نفسه فى الأداء مع المستمع . كيف لا وكأنك ترى الراحلة رجاء حسن حامد و هى تغازل و تضاحك الكلمات و تلونها بأدائها الفخيم . و من هناك يأتيك الاستاذ عبدالرحمن عبدالرسول وهو يحمل أوراق عالم الرياضة التى جمعها بجهد و إتقان ويحمل كل احساسه مع فريق التقديم . وكيف لا عندما تجد الراحل عبدالرحمن أحمد و هو يمازح علم الدين حامد داخل الاستديو . و كيف لا عندما تجد مجموعة الممثلين داخل الاستديو يحلقون فى عوالم الدراما يحولون المكتوب على الورق لصورة حية مرئية بالاحساس السمعى و تكوين صورة من الحبكة الدرامية . هذه نماذج على سبيل المثال و ليس للحصر . فمنهم من انتقل الى رحاب الله و منهم من بقى فى حفظ الله . 

   أما الحديث عن الهرم الاعلامى و مخرج الروائع البروفيسور صلاح الدين الفاضل أورسد فالكلام يختلف . صلاح الدين الفاضل له ميزات عديدة . يعرف كل العاملين معه فى الاذاعة ( بالاسم و السكن و أسرته ) . صلاح الدين الفاضل من دخول بوابة الإذاعة يبدأ فى السلام على الزملاء ، يضاحك هذا و يمازح هذا و يقالد و يطايب هذا ، يسالم كل من يصادفه فى الطريق . أما الجانب المهني . صلاح الدين الفاضل له مساهمات عديدة فى العمل الإذاعى . أسس الاذاعات المتخصصة و الولائية . مؤسسة إذاعة الرنامج الثاني( إذاعة المثقفاتية ) تعاقب فى إدارتها الأستاذ إبراهيم البزعى و بعده الدكتورة عفاف الصادق حمد النيل لها الرحمة ، و كان لى الشرف بأن ابدأ عملي الإذاعى بإذاعة البرنامج الثانى . صلاح الدين الفاضل للمحافظة على جودة العمل الاذاعى شكل لجنة من أساتذة الجامعات و من السابقين فى العمل الاذاعى للاستماع و متابعة الأداء و اللغة . صلاح الدين الفاضل صاحب نظرية فن الرؤية عبر الأذن . هذا غير العمل الأكاديمي بالجامعات . و قد ساهم و ساعد العديد من الاعلاميين فى الحصول على درجات جامعة و فوق الجامعية ( العبد لله واحد منهم ) شجعنى للدراسة بجامعة أمدرمان الأهلية للإلتحاق بكلية علوم الاتصال و قد كان ، و أشرف على بحث تخرجى ( أثر الصوت فى ربط المستمع بالبرامج الاذاعية ) . 

  رحل صلاح الدين الفاضل فى قاهرة المعز دون أن نودعه . الموت حق و كل شئ فيه زايل لا يبقى غير الأثر الطيب و الذكرى التى يحفظها الإنسان لأخيه المسلم . رحم الله البروفيسور صلاح الدين الفاضل بهذه الذكرى الطيبة و هذا العطاء الكبير فى تاريخ الإذاعة السودانية .

 

آخر المداد : تحية حب و تقدير لكل الذين يصنعون الجمال و الإبداع و يحافظون على هذا الإرث و هذا التراث الذى يحكى عظمة هذا الشعب . رحم الله من رحلوا عن دنيا مخلدين جميل الذكرى ، تحية و إحترام للذين مازال عطائهم يتدفق عبر الأثير متعكم الله بالصحة والعافية .

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى