
خالد عوض عبدالله/ المحامي
لا أدري: أهو غيابٌ متعمد ومقصود في ذاته، أم هو غياب ناتج عن عدم وعي بالدور المنوط بمجلس إدارة الجهاز القومي للرقابة على التأمين، ذلك الدور الذي يفترض أن يضطلع به وفق الاختصاصات والسلطات الجوهرية الملقاة على عاتقه، بوصفه جسماً أساسياً ومفصلياً في عملية المراقبة والإشراف على قطاع التأمين في السودان.
إنه لأمر يدعو للدهشة، بل للاستغراب أيضاً، أن يلوذ مجلس إدارة الجهاز القومي للرقابة على التأمين بالصمت المطبق، فلا يحرك ساكناً عبر أي قرار أو منشور، في خضم الأحداث الجسيمة التي مرّ بها قطاع التأمين، والتي وصل بعضها إلى منصات العدالة (محكمة الاستئناف / المحكمة العليا).
بل إن مجلس الإدارة استنكف عن الرد أو إصدار قرار في التظلمات التي رُفعت إليه من عدة جهات ضد قرارات الأمين العام للجهاز، رغم أنه يملك – بموجب نص المادة (13) من قانون الرقابة والإشراف على التأمين – حق الرد والفصل في هذه التظلمات، بل وأقول إن الرد على الشكاوى والتظلمات ليس مجرد حق، وإنما واجب حتمي على مجلس الإدارة وفق النص المشار إليه.
وبالنظر إلى التكوين المتنوع والمقصود في ذاته لعضوية مجلس إدارة الجهاز (مندوب من بنك السودان، مندوب من وزارة المالية، خبراء تأمين، رئيس غير متفرغ…إلخ)، وبالرغم من السلطات والاختصاصات التشريعية والرقابية والفنية التي يملكها المجلس بوصفه أهم وأخطر إدارة في الجهاز المنوط به الإشراف على قطاع التأمين في السودان، إلا أننا نجد – على نحو يثير القلق – أن الأمين العام للجهاز، صاحب الدور التنفيذي فقط وفق نص المادتين (17/18) من قانون الرقابة والإشراف على التأمين، هو الذي بات يصدر التشريعات والقرارات المفصلية المتعلقة بأمر التأمين في السودان، وهي اختصاصات وسلطات إما يملكها مجلس الإدارة أصلاً أو تملكها جهات أخرى خارج منظومة الجهاز القومي للرقابة على التأمين.
ومن بين تلك التشريعات التي درج الأمين العام على إصدارها في الآونة الأخيرة دون وجه حق ودون اختصاص: إصدار المنشورات.
ومعلوم قانوناً أن المنشور يُعد تشريعاً، باعتباره أحد مصادر الأحكام وفق ترتيبها في السودان، حيث يأتي في المرتبة الرابعة بعد الدستور والقانون واللوائح. وبما أن المنشور تشريع، فإن صاحب الاختصاص الأصيل في إصداره هو مجلس إدارة الجهاز، وليس أي جهة أخرى.
ورغم ذلك، ما زال مجلس الإدارة يلوذ بالصمت إزاء هذا التعدي الصريح على اختصاصاته، الأمر الذي يجعلنا نتساءل:
هل للجهاز القومي للرقابة على التأمين مجلس إدارة يعمل فعلاً؟
وإذا كان للجهاز مجلس إدارة، فهل هو مكتمل العضوية أصلاً؟
بل إننا تفاجأنا قبل وقت قريب بأن رئيس مجلس إدارة الجهاز أصبح مديراً لشركة تأمين عاملة في سوق التأمين، دون أن يصدر الجهاز أي تنويه أو تعميم أو إخطار مكتوب للعاملين في قطاع التأمين بهذا الخصوص، وهو أمر يتناقض كلياً مع مبادئ الشفافية التي دعا إليها الأمين العام في صدر بعض منشوراته.
كما نتساءل كذلك:
هل قام مجلس الوزراء – وهو الجهة صاحبة الاختصاص – بتعيين رئيس بديل لمجلس الإدارة؟
وإذا كان ذلك قد حدث، فلماذا لم ينشر الجهاز عبر موقعه الإلكتروني قرار مجلس الوزراء بتعيين رئيس جديد لمجلس الإدارة حتى يعلم الكافة به؟ واكتفي بنشر الاسماء دون القرار.
وهل هناك أمر أهم من نشر مثل هذا القرار في الموقع الإلكتروني للجهاز؟
أم تُرى أصبح هذا من أسرار الدولة التي لا يجوز نشرها ومعرفة الكافة بها؟
لا أدري، ولكن وحسب العرف الجاري، فقد جرت العادة أن تُنشر قرارات مجلس الوزراء الخاصة بتعيين مجلس الإدارة والأمين العام للجهاز، بل وتُسلَّم شركات التأمين صوراً من هذه القرارات عبر خطابات رسمية من الجهاز القومي للرقابة على التأمين نفسه.
فلماذا تم إيقاف هذا الإجراء هذه المرة، يا ترى؟
إن كل هذه الاستفهامات المبثوثة في هذا المقال تتطلب رداً وافياً وكافياً من مجلس إدارة الجهاز، حتى تُبسط الشفافية وتُرسى الحوكمة التي ينادي بها الجميع، لأن غيابهما معاً يهدد ثقة السوق.
كما أن ممارسة الصمت المطبق في معرض الحاجة إلى بيان وتوضيح تفتح الباب واسعاً أمام تقويض أسس الحوكمة وجهود محاربة الفساد، وهو ما لا يحتمله قطاع حيوي وحساس كقطاع التأمين في هذه المرحلة الدقيقة من تاريخ البلاد.
وختاماً، فإن الذين حملوا السلاح دفاعاً عن الوطن، وحرسوا حدوده، وبذلوا أرواحهم فداءً لترابه وسيادته، لم يفعلوا ذلك ليكون مصير الوطن التفريط في دولة القانون أو التساهل في صون الحقوق المدنية.
إنه لَعارٌ علينا أن تُصان الأرض بالدماء ثم تُهدر العدالة بالصمت، وأن تُحمى الحدود بينما تُترك القوانين بلا حارس.
إن الالتزام الصارم بحكم القانون، ومتابعة عدم تجاوزه، وحماية مؤسسات الرقابة من التهميش أو التعطيل، هو الامتداد الطبيعي لمعركة الدفاع عن الوطن، وهو السبيل الوحيد لضمان حق الأجيال القادمة في وطن يحميهم كما يحبونه، وطن يشعرون فيه بالأمان والكرامة دون أن يضطروا للبحث عنهما في بلاد أخرى أكثر عدلاً من أرض أجدادهم.
فالدولة التي لا تُصان فيها القوانين ولا يُقام فيها العدل، تظل دولة مؤجلة، تعيش خارج زمن الحضارة، مهما امتلكت من موارد أو رفعت من رايات وشعارات.


