مقالات

تفكيك رواية التضليل ووضع النقاط على الحروف ١ من ٣

تفكيك رواية التضليل ووضع النقاط على الحروف

١ من ٣

 

بقلم :ابراهيم عدلان 

ما يُدار اليوم في بعض المنصات الإعلامية ليس نقاشًا مهنيًا حول إصلاح مؤسسة، بل محاولة منظمة لتغبيش الوعي العام، عبر ليّ عنق الحقائق، وتقديم رواية مبتورة تخدم شبكات نفوذ معروفة داخل سلطة الطيران المدني وخارجها.

 

وإزاء ما ورد في مقال الصحفية رشان أوشي، يصبح لزامًا – ليس دفاعًا عن أشخاص، بل انتصارًا للحقيقة – أن نضع الوقائع كما هي، مجردة من العاطفة والتسييس.

 

 

أولاً: نتائج المراجع العام… الحقيقة التي جرى دفنها

 

الحقيقة الجوهرية التي تجاهلها المقال عمدًا هي أن لجنة المراجع العام لم تُدن مجموعة عطبرة، ولم تُثبت عليها أي تجاوزات مالية أو إدارية.

 

بل على العكس، فقد كشفت اللجنة عن اتفاقية خطيرة تمس السيادة الوطنية، وُقّعت دون الرجوع لأي جهة سيادية مختصة، وتضمنت:

 • التنازل عن 30 ميلًا بحريًا من المجال الجوي السوداني لصالح دولة جنوب السودان.

 • هذه المساحة تقع عمليًا في سماوات أبيي المتنازع عليها، ما يكشف خبث النية السياسية والفنية لمن اقترح تمرير الاتفاق.

 • وجود بند مالي ينص على تحصيل 100 ألف دولار شهريًا لا يُعرف مصيرها، ولا الجهة التي تؤول إليها.

 

هذه ليست تفاصيل ثانوية، بل جوهر القضية، وهي ما حاول المقال القفز فوقه، أو طمسه تمامًا.

 

 

ثانيًا: صناعة “المظلومية” وتزييف السياق

 

قدّم المقال المدير العام المعزول في صورة “ضحية إصلاح”، متجاهلًا أن:

 • قرار الإقالة خضع لاحقًا لتحقيق رسمي موسّع، شاركت فيه جهات سيادية وعدلية وأمنية، ورفعت تقريرها لمجلس الوزراء.

 • هذا التقرير – بشهادة مستنداته – برّأ المدير العام من الاتهامات الإدارية، لكنه لم يُبرئ الاتفاقية السيادية محل الجدل، ولم ينفِ خطورتها.

 

وبالتالي، فإن تحويل القضية إلى “صراع سكرتيرة ومدير” هو تبسيط مخل ومضلل، يهدف لإبعاد الأنظار عن لبّ المشكلة الحقيقي.

 

 

ثالثًا: تجاوزات إجرائية لا تُبرر تزييف الحقائق

 

نعم، هناك تجاوزات إجرائية خطيرة:

 • تقارير رُفعت لغير جهاتها المختصة.

 • توصيات كُتبت بخط اليد خارج الأطر القانونية.

 • ضغوط مورست خارج التسلسل المؤسسي.

 

لكن معالجة هذه التجاوزات لا تكون بتزوير الوقائع، ولا بتحويل الإعلام إلى منصة لتصفية الحسابات، ولا بتبييض قرارات تمس السيادة الوطنية.

 

 

رابعًا: خلط متعمد للأسماء والقضايا

 

أما الزجّ بأسماء سعاد، نازك، وأبوبكر، فهو انحراف متعمد عن جوهر القضية، وقد تم بالفعل رفع هذا الملف إلى نيابة جرائم المعلوماتية.

 

وهنا نقولها بوضوح:

 

الادعاء مسؤولية، والاتهام بلا بينة طريقه القانون لا المقالات.

وعلى كل صحفي أو صحفية إثبات ما قالوه، أو تحمّل تبعاته القانونية كاملة.

 

 

الخلاصة

 

ما جرى داخل سلطة الطيران المدني ليس قصة ضميرٍ أسقطه النفوذ فقط، ولا بطولة فردية كما صُوّرت، بل ملف معقّد فيه:

 • مساس بالسيادة،

 • تجاوز للصلاحيات،

 • واستخدام للإعلام كأداة تضليل.

 

والأخطر من كل ذلك:

محاولة إعادة صياغة الوعي العام ليغضّ الطرف عن جوهر الجريمة، وينشغل بالهوامش.

 

الحقيقة لا تحتاج زينة،

ولا تخاف الضوء،

لكنها تحتاج من يقولها… كاملة، لا مجتزأة.

 

والتاريخ – لا المقالات – هو الحكم الأخير

 

في هذا المقام، ومن باب الإنصاف قبل الخصومة، نؤكد ابتداءً أننا لا نشكك في نوايا الزميل حسين نايل، ولا نطعن في سيرته المهنية أو قصده الشخصي، فالرجل – مثل غيره – قد يجد نفسه أحيانًا محاطًا بدوائر ضغط ونفوذ تتجاوز قدرته على الإحاطة بكل خيوطها.

 

لكن موضع الشك الحقيقي، والمشروع، ينصرف إلى المجموعة التي أحاطت به، والتي تتولى اليوم قيادة حملة شعواء ممنهجة، لا هدف لها إجلاء الحقيقة، بل التشهير والتشويه والشواء البشري، عبر تسريب انتقائي للمعلومات، وتدوير روايات مبتورة، وتوظيف منابر إعلامية لتصفية حسابات قديمة.

 

هذه المجموعة لا تدافع عن مبدأ، ولا تنتصر لمؤسسة، بل تسعى إلى:

 • خلط الأوراق وصرف الأنظار عن القضايا الجوهرية التي تمس السيادة والمال العام،

 • صناعة أعداء وهميين لتبرير أخطاء موثقة،

 • وإعادة إنتاج نفسها كـ«حماة إصلاح» بينما هي في الواقع أحد معوّقاته الرئيسية.

 

إن تحويل الخلاف الإداري إلى محاكم تفتيش إعلامية، واستباحة السمعة الشخصية، واللجوء إلى الاغتيال المعنوي، ليس شجاعة ولا مهنية، بل علامة ضعف وخوف من الحقيقة.

 

نختلف، نعم. ننتقد، نعم. نحاسب، نعم.

لكننا نرفض أن تتحول المعركة إلى سحلٍ معنوي، أو أن يُستدرج أشخاص بحسن نية ليكونوا واجهة لمشروع تضليل أكبر منهم.

 

والأهم:

الحقيقة لا تُدار بالجوقات، ولا تُحمى بالصراخ،

بل تثبت بالمستند، وتُصان بالقانون، وتعلو مهما طال الزمن.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى