
بقلم د. سارة عبد العزيز
كتبت كثيرا وتحدثت أكثر عن معاناة المواطن السوداني
عن فقدان الخدمات الأساسية عن الغلاء عن الخوف عن الحرب عن النزوح وعن دولة غابت طويلا عن واجبها الطبيعي تجاه شعبها
لكن وسط هذا الركام كله هناك باب كبير وخطير لا بد أن نطرقه بوضوح وضمير حي
باب تجار الأزمات والسماسرة ومن يستغلون مناصبهم ونفوذهم لنهب المواطن في أحلك الظروف
في كل أزمة تمر على السودان يظهر هؤلاء كأنهم جزء ثابت من المشهد لا رحمة لا خجل ولا أي إحساس بالمسؤولية الأخلاقية أو الوطنية
ازمات الوقود الدواء الغذاء السكن السفر حتى الأوراق الرسمية كلها تحولت إلى فرص استثمار رخيصة على حساب إنسان أنهكته الحرب والفقر وعدم الاستقرار
الأدهى من ذلك أن بعض هؤلاء لا يملكون مؤهلات ولا عملا حقيقيا ولا قيمة مضافة للمجتمع كل خبرتهم أنهم يعرفون كيف يضغطون على حاجة الناس وكيف يحولون الوقت والضيق والضرورة إلى أداة ابتزاز سمسار هنا وسيط هناك وموظف يستغل منصبه وتاجر يرفع السعر لأنه (عارف الزول مضطر)
نحن كسودانيين اعتدنا أن نبحث عن من يخلص لنا الإجراءات لا لأننا نحب الفساد بل لأننا في سباق دائم مع الزمن نريد أن نعيش أن نوفر لأسرنا أن ننجو لكن هذا الاعتياد نفسه تحول إلى باب واسع للاستغلال حتى صار المواطن السوداني للأسف مشروعا استثماريا متنقلا داخل السودان وخارجه
نعم حتى خارج الوطن يواجه السوداني الاستغلال لأنه سوداني ينظر إليه على أنه مستعد للدفع مستعد للتحمل مستعد للتنازل وكأن طيبته وصبره أصبحا سلعة في سوق القسوة
المفارقة المؤلمة أن ما نراه في دول أخرى مختلف تماما
في مواسم الأعياد في الأزمات في المناسبات الكبرى تنخفض الأسعار يطلق عليها العروض ويتسابق التجار لتخفيف العبء عن الناس
الفكرة بسيطة نحن مع المجتمع لا فوقه أما في السودان فالعكس هو القاعدة رمضان يعني زيادة أسعار العيد يعني مضاعفة الحرب تعني انفلاتا بلا سقف
يعرف التاجر أن السوداني سيشتري
يعرف أنه لا يحب المساومة ولا يحب “الجرجرة” ويحب أن يقضي حاجته ويمضي
فيستغل هذه الخصلة النبيلة أسوأ استغلال
يرفع السعر وهو يعلم في قرارة نفسه أن هذا ليس حقه
وأنه يأخذ من جيب أخيه ما لا يستحق
وهنا لا بد أن نقولها بوضوح الاستغلال ليس ذكاء ولا شطارة ولا فهلوة الاستغلال سقوط أخلاقي
هو مشاركة مباشرة في تعميق الأزمة وفي كسر ظهر المواطن وفي إطالة أمد المعاناة
والأخطر حين يأتي الاستغلال من داخل مؤسسات الدولة نفسها مسؤول يستغل منصبه موظف يبتز الناس صاحب سلطة يخلق أزمة ليبيع الحل
هؤلاء لا يقلون خطرا عن تجار الحروب لأنهم يسرقون من الداخل ويقوضون ما تبقى من ثقة بين المواطن والدولة
السودان الجديد الذي نحلم به لا مكان فيه للسماسرة ولا لتجار الأزمات لا مكان لمن يبني ثروته على دموع الناس ولا لمن يفرح وهو يرى أخاه مضطرا
السودان الجديد يحتاج إلى اقتصاد أخلاقي
إلى رقابة حقيقية إلى قوانين تطبق بعدل
وإلى وعي مجتمعي يرفض التطبيع مع الاستغلال
نحتاج أن نقف جميعا ضد هذه الثقافة
ثقافة “خليها تمشي”
نسأل الله أن يفتح على السودان وأن يعم الأمن والأمان
وأن يعود الوطن أقوى وأنقى نسأله أن ينصر جيشنا
ويحفظ أهلنا ويعيد للسودان وجهه الإنساني الجميل
وسيعبر السودان بإذن الله لكن عبوره الحقيقي لن يكون فقط بأنتهاء صوت السلاح بل بمحاربة الاستغلال وتجفيف منابع الفساد ورد الاعتبار للمواطن السوداني إنسانا يستحق الحياة بكرامة لا سلعة في سوق الأزمات



