
الصناعة والتجارة: أمانة المسؤولية وعواصف الحرب
نداء لاستعادة الحقوق والإصلاح
بقلم / آمنة سيد احمد البصيري
في هذه اللحظات الفارقة من تاريخ السودان، حيث يختلط دخان الحرب بأنين الجراح وتطلعات الصابرين، تبرز المؤسسات الوطنية كقلاعٍ يُفترض أن تحمي مقدرات الشعب وتضمد جراح الاقتصاد. إن وزارة الصناعة والتجارة ليست مجرد هيكل إداري أو مكاتب عابرة، بل هي شريان الحياة النابض الذي ننتظر منه أن يكون سنداً للوطن في محنته، لا أن يصبح ساحةً للتهميش والارتباك الإداري.
الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على نبي الرحمة وسيد المرسلين. ومع إشراقة شهر رمضان الفضيل، نسأل الله أن يتقبل من الجميع صالح الأعمال، وأن يكون شهر رمضان بدايةً لإصلاح النفوس والأحوال، وفرجاً قريباً بنصر قواتنا المسلحة نصراً مؤزراً، وشفاءً للجرحى، وعودةً كريمة لكل مظلوم سُلب حقه أو هُجر من دياره.
إن القراءة الفاحصة لما يدور داخل أروقة وزارة الصناعة والتجارة منذ انتقالها إلى بورتسودان قبل ثلاث سنوات تثير الكثير من الشجون؛ فقد تحول المكتب الصغير إلى وزارة كاملة الإدارات، ولكن في غيابٍ محزن للكوادر الحقيقية التي صقلتها الخبرات الطويلة. إن النهج المتبع في اختيار المناصب خلال هذه الحرب يوحي بعقلية إدارية تسير على خطى الماضي دون تجديدٍ يذكر، وكأن عجلة الزمن توقفت عن إنتاج الحلول المبتكرة في وقتٍ لا يحتمل فيه الوطن أي ترفٍ في الخطأ.
ومن أبرز المظاهر التي تستوقف المراقبين، تلك الحالة من عدم الاستقرار في قيادة الإدارة العامة للتجارة الخارجية؛ فكيف يستقيم حال مؤسسة سيادية تعاقب على إدارة واحدة فيها ستة مدراء خلال فترة الحرب، خمسة منهم في عهد القيادة الحالية؟ هذا التخبط يطرح تساؤلات مشروعة: هل نحن أمام سياسة “تجريب عشوائي” في قمة الهرم الاقتصادي؟ وهل نضبت الكفاءات في الوزارة لدرجة العجز عن إيجاد مدير عام كفؤ يقود الدفة بمرونة واستقرار؟
الأدهى والأمر أن الوزارة شهدت تعيين مدير عام للتجارة الخارجية في الدرجة الرابعة، ليرأس مدراء في الدرجة الثالثة. !؟ هذا الوضع غير المسبوق يثير علامات استفهام كبيرة حول معايير الكفاءة والعدالة في التدرج الوظيفي. فكيف يُعقل أن يقود من هو أدنى درجة وظيفية من هم أعلى منه؟ أليس ذلك قلباً لموازين الخدمة المدنية، وإضعافاً لروح الانضباط المؤسسي؟
إن هذا الترتيب لا يضر فقط بالهيكل الإداري، بل يخلق حالة من الإحباط بين الموظفين الأكفاء الذين أفنوا سنوات في خدمة الوزارة، منتظرين أن تأتي لحظة الإنصاف والترقي الطبيعي. إن تجاوزهم بهذه الطريقة لا يُفسَّر إلا كتهميش متعمد، أو كقرار يفتقر إلى الرؤية الاستراتيجية، وهو ما ينعكس سلباً على الأداء العام ويقوض الثقة في المؤسسة.
أما ما يثار حول “المنصة الإلكترونية”، فلا بد من توضيح الحقائق؛ فهي ليست وليدة الصدفة أو ابتكاراً طارئاً، فقد كان نظام الصادر يُدار إلكترونياً وبكفاءة عالية بأيدي أبناء الوزارة الخلص منذ عام 2017. واليوم، نرى بأسى كيف يُدفع بهؤلاء الخبراء إلى “الرصيف” وتُهمش أدوارهم لصالح فنيين ومتعاونين من خارج الأسوار، بينما يجلس الموظف الأصيل الذي تحدى الحرب وعاد طوعاً ليخدم بلده متأملاً ضياع حقوقه وحقوق أسرته في حياة كريمة.
“إن تهميش الكفاءات الوطنية في زمن الأزمات هو تفريطٌ في أمانة الوطن، وعدلُ الميزان هو ما يحفظ للمؤسسات هيبتها وللمواطن كرامته.”
لقد آن الأوان لوضع الأمور في نصابها الصحيح، وإعمال ميزان العدل والإنصاف داخل هذه المؤسسة العريقة. إن إعادة الحقوق لأصحابها والنظر لموظفي الوزارة بعين التقدير ليس مجرد مطلب وظيفي، بل هو ضرورة وطنية؛ فهم العماد الحقيقي والركيزة التي لا يستقيم اقتصاد البلاد بدونها.
ختاماً، نرفع أكف الضراعة إلى المولى عز وجل أن يلهم القائمين على الأمر الرشد، وأن يوفق الجميع لما فيه خير البلاد والعباد، وأن يرفع عن سوداننا الحبيب ويلات هذه الحرب ومرارتها، لتعود لوزارة الصناعة والتجارة مكانتها ودورها الريادي في خدمة الاقتصاد الوطني وحماية مقدرات الشعب.
والله المستعان، وهو نعم المولى ونعم النصير.



