مقالات

*الصمت الذي يشرعن الظلم من يحمي المؤمن لهم قبل أن “يحمي” الكيان؟**

 

بقلم/ خالد عوض عبدالله – المحامي

 

الخطر في هذا الملف لم يعد محصورًا في *خطابٍ أو قرارٍ* هنا أو هناك… بل في شيء أخطر وأعمق: *الصمت المؤسسي*.

صمتُ شركات التأمين واتحادها أمام ما يمسّ نظامها الأساسي، وأمام ما يُحمَّل على المواطن من رسومٍ وتكاليف، وأمام ما يتراكم من “سوابق” تتحول—مع الوقت—إلى واقعٍ يُفرض دون نقاش.

هذا الصمت لا يطفئ التجاوز… بل يمنحه غطاءً، ويحوّله من فعلٍ قابلٍ للرد إلى *أمرٍ طبيعي* يمرّ كأنه لا يعني أحدًا.

 

اليوم، أمام مشهد واضح: خطاب من الأمين العام لجهاز الرقابة على التأمين لتكوين لجنة لتعديل النظام الأساسي لاتحاد شركات التأمين —والأدهى أن يُقابَل ذلك بقبولٍ هادئ، وكأن الاتحاد ليس حارسًا لمصالح عضويته، بل جهة تُنفّذ ما يُطلب منها.

وهنا السؤال المباشر الذي لا يحتمل المجاملة:

**كيف يقبل اتحادٌ أُنشئ لحماية أعضائه أن يُدار بالسكوت؟ ومن الذي فوّض الصمت والخضوع ليتحدث باسم الجميع؟

فالصمت هنا ليس “حيادًا”… بل توقيع على بياض

حين تصمت الشركات، وحين لا يصدر عن الاتحاد موقفٌ واضح، فالمعنى العملي واحد: **موافقة ضمنية**.

والموافقة الضمنية تُغري أي جهة—أيًّا كانت—بمزيدٍ من التمدد، لأن الرسالة التي تصلها بسيطة: “لا مقاومة، لا اعتراض، لا تكلفة”.

والأخطر أن هذا الصمت يُنتج “تحالف مصالح” غير معلن:

الجهة الرقابية تُصدر، والشركات تُحصّل، والاتحاد يُبارك بالصمت… ثم تُترك فاتورة النتائج للمواطن.

 من يدفع الثمن؟ المواطن… لا الإدارات

دعونا نترك لغة الكيانات، وننزل للأرض:

القضية ليست “نظامًا أساسيًا” فقط. القضية في النهاية هي *حملة الوثائق* *ومستخدمي الطريق* *والمساهمين*.

وأوضح مثال على ذلك: **التأمين الإلزامي للسيارات (الطرف الثالث)**.

هذا التأمين فُرض أصلًا لحماية حقوق مستخدمي الطريق. فكيف يتحوّل—في صمتٍ مستمر—إلى وعاء رسومٍ تُضاف تباعًا؟

* *رسم 2%* باسم “دعم وزارة المالية”.

* **رسم 1.5%** باسم “السلامة المرورية” تمّت إضافته في بداية عام **2026**.

وهنا أسئلة واجبة لا ترفًا صحفيًا:

1. **ما السند القانوني التفصيلي** لهذه الرسوم؟ ولماذا تُحمَّل على وثيقة إلزامية دون غيرها؟

2. إذا كانت الدولة تُلزم المواطن بالتأمين حمايةً لحقه، فكيف تُزاد عليه أعباءٌ إضافية خارج فلسفة الوثيقة؟

3. **أين موقف الاتحاد** من تسبيب هذه الرسوم للرأي العام؟ وأين شفافية التفصيل: كم يُحصَّل؟ ولصالح من؟ وكيف يُصرف؟

4. وأين **الرقابة الشرعية العليا** داخل الجهاز—إذا كنا نتحدث عن سوق تكافلي—من تحميل الناس رسوماً تُسند إلى أسماء كبيرة بينما أثرها واقعٌ على جيوب المواطنين؟

السكوت هنا لا يعني “إدارة ملفات”. السكوت يعني أن المواطن يدفع، ولا يجد من يشرح، ولا من يعترض، ولا من يضع حدًا.

التأمين الإسلامي التكافلى ليس لافتة… بل مسؤولية أمام الله عز وجل. 

والأمانة في سوقٍ تكافلي ليست بندًا تجميليًا.

حين تعمل الشركات تحت مظلة “التكافل”، فذلك يعني التزامًا أخلاقيًا وشرعيًا: **صيانة الحقوق، والبيان للناس، ورفع الظلم، وعدم تمرير ما يرهقهم بلا ضرورة*.

لهذا أقولها بوضوح:

**الصمت الذي يشرعن التجاوز في سوق التكافل ليس خطأً إداريًا فقط… بل مسؤولية عظيمة يوم يحاسب الناس فرادى*

لأن أثره لا يقع على “مكاتب” الإدارات؛ بل يقع على المؤمن لهم—الذين يمولون القطاع بالاشتراك في المحافظ التأمينية —وعلى الطرف الثالث الذي وُجدت الوثيقة أصلًا لحمايته 

*سوابق الصمت*… تؤكد أن المشكلة ليست “حادثة” بل “نهج”

ومن يظن أن الأمر مجرد واقعة عابرة، فليتذكر نموذجًا موجعًا:

قرارٌ سابق حدَّ من عائد المساهمين في الإجارة بنسبة *لا تتجاوز 3% من صافي الأقساط*—بما جعل حقوق المساهمين تحت رحمة مصروفات قد تبتلع النسبة أصلًا.

ومرة أخرى… *الصمت كان حاضرًا*.

هذه ليست تفاصيل مالية فقط؛ هذه مؤشرات على عقلية تُدار بها الملفات:

يصدر قرارٌ مؤثر، ثم يُمرَّر بلا موقفٍ مؤسسي قوي، ثم يتحول إلى “قاعدة” لا تُناقش.

# كلمة للاتحاد والشركات: المطلوب الآن ليس انفعالًا… بل موقف

إذا كان الاتحاد يريد أن يحتفظ بمعناه، فعليه أن يغادر منطقة الصمت فورًا. أقل ما يجب—وبلا تأجيل—هو:

1. بيان رسمي واضح يشرح موقف الاتحاد من تكوين لجنة تعديل النظام الأساسي، وحدود قبول ذلك وإجراءاته.

2. جلسة طارئة لمجلس الإدارة والجمعية العمومية بجدول أعمال معلن، لأن هذه ليست “مكاتبات داخلية”، بل شأن يمسّ استقلال الاتحاد وحقوق المؤمن لهم ( المشتركين) والمساهمين فشركات التأمين هي شركات مساهمة عامة.

3. كشف تفصيلي بالرسوم المفروضة على وثائق الطرف الثالث: مرسوم الرسم ، الجهة المستفيدة، آلية التحصيل، و التوريد.

4. موقف شرعي مكتوب من الجهة الشرعية المختصة حول مشروعية الرسوم وطريقة تحميلها على وثيقة إلزامية.

5. والأهم: أن يتذكر الجميع أن الاتحاد لم يُنشأ ليكون “ممرًا”… بل *سقف حماية* لعضويته وللمؤمن لهم.

# السؤال الذي لا مفر منه

بعد كل هذا، يبقى سؤال واحد—مباشر وقاسٍ لكنه لازم:

*هل الإدارات الحالية لشركات التأمين واتحادها مؤهلة لحمل هذه الأمانة؟*

لأن مواقع المسؤولية لا تُقاس بالمنصب، بل *بالموقف عندما تُمس الحقوق*

إن التفريط لا يأتي دفعة واحدة؛ يبدأ بصمتٍ “مهذب”، ثم يتحول إلى قبولٍ “عملي”، ثم ينتهي إلى واقعٍ “مفروض”. وحينها لا ينفع الندم، لأن الحقوق تُؤكل حين يُؤكل الصمت أولًا.

*اللهم إني بلغت فاشهد.*

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى