مقالات

السودان كمركز عالمي لمسار بحري بديل

بقلم: خالد سعد

منذ أن اندلعت الحرب في الشرق الأوسط وأصبحت تهدد فعليا سلامة الملاحة البحرية في مضيق هرمز، وتصاعدت كتهديد في باب المندب نتيجة العمليات العسكرية لجماعة الحوثي، تداول سودانيون فرضية تعني بأن هذه الأزمة تمثل فرصة سانحة للسودان من أجل تسويق موقعه الجغرافي كمركز عالمي بديل لمسارات سلاسل الإمداد العالمية، وتحديدا عبر ميناء بورتسودان المطل على البحر الأحمر.

لربما أن هذا المقترح تأسس على فرضية (إدارة الأزمات) وغير مرتبط بحسابات الملاحة التجارية اليومية في الأوقات التي كانت سائدة قبل اندلاع الحرب.

ومن هذه الزاوية، غطت بعض وسائل الاعلام الاسبوع الماضي، جولة تفقدية للمدير العام لهيئة الموانئ البحرية جيلاني محمد جيلاني، لمسار العمل في ميناء الأمير عثمان دقنة بمدينة سواكن، وصرح بأن خطط إدارته صممت لأن تكون موانيء بورتسودان مركزا محوريا لخدمة التجارة السودانية والإفريقية (لم يقل مركز عالمي)، موضحا أن هناك توجها لإنشاء صناعات بتروكيماوية، إلى جانب منطقة متكاملة لصناعة السفن، وحوض عائم يعد الأكبر على مستوى البحر الأحمر، مشيرا إلى أن الشركة الاستشارية قد شرعت بالفعل في إعداد الدراسات الفنية اللازمة.

عود على بدء، ننظر إلى مقترح الخبراء بموضوعية وانحياز لمصلحة السودان في آن، ويجب أولا أن نشير إلى الأمان الجيوسياسي المؤقت الذي يوفره هذا الخيار في حال استمرار أو تصاعد التهديدات الأمنية في مضيق باب المندب، حيث يصبح الجزء الشمالي من البحر الأحمر الممتد من قناة السويس وحتى بورتسودان منطقة أكثر أمانا، وبالتالي تصبح فكرة دخول السفن القادمة – الصين مثلا- من البحر الأبيض المتوسط عبر قناة السويس نزولا إلى بورتسودان (أو العكس) خيارا اضطراريا لتأمين سلاسل الإمداد المتجهة من وإلى القارة الإفريقية.

غير أن هذا التصور النظري والآمن يواجه معضلة الكلفة الجغرافية، ففي الأحوال الطبيعية، يعتبر هذا المسار التفافي، ومكلف جدا لشركات الملاحة، وخصوصا الصينية (أهم شريك تجاري لإفريقيا)، فالسفن القادمة من المحيط الهندي تحتاج إلى الالتفاف حول شبه الجزيرة العربية ابتعادا من خطر الحرب، وعبور قناة السويس، ثم العودة جنوبا مئات الأميال لإفراغ حمولتها في بورتسودان. 

وبالطبع هذا التكرار للمسار يرفع كلفة الوقود والتأمين والزمن، مما يشكك جديا في الجدوى الاقتصادية للمسار كخيار اعتيادي دائم.

معروف أن الصين تستثمر في إفريقيا وفق استراتيجية براغماتية تعرف بـ(تنويع المخاطر وتأمين الموارد)، ويكفي أن نعرف أن حجم التبادل التجاري بين الصين وإفريقيا قد تجاوز الأرقام القياسية مسجلا أوج ازدهاره بنحو 295.6 مليار دولار وفقا لبيانات منصات التجارة للعام 2024. 

وعندما يرى المراقب أرقاما تقارب الـ 300 مليار دولار، سيفهم لماذا لا يمكن للصين أن تجازف بهذه الأرقام الهائلة بمسارات غير مكتملة البنية التحتية أو غير مستقرة أمنيا في الوقت الراهن، في حين أن للصين بدائل أكثر فعالية رغم كلفتها، فالمنفذ البحري في فلسفة مبادرة (الحزام والطريق) لا جدوى له دون شبكة نقل بري عملاقة توصله بالأسواق الاستهلاكية ومناطق إنتاج المواد الخام في إفريقيا. 

جيبوتي مثلا؛ نجحت في الاستراتيجية الصينية لأنها مرتبطة بقطار كهربائي سريع ينقل البضائع مباشرة إلى إثيوبيا (أكثر من 120 مليون نسمة).

أما بورتسودان، فرغم موقعها المثالي جغرافيا لخدمة دول حبيسة مثل تشاد، أفريقيا الوسطى، وجنوب السودان، وحتى إثيوبيا، إلا أن غياب البنية التحتية، وشبكات السكك الحديدية العابرة للحدود، فضلا عن تداعيات الحرب الداخلية، يفقدها ميزتها النسبية، ويجعل من الميناء المطل على البحر الاحمر عاجزا عن منافسة موانئ في كينيا أو في جيبوتي.

كذلك، فإن فلسفة توزيع المخاطر الصينية تمتلك بالفعل بدائل أكثر جاهزية واستقرارا لتأمين تجارتها في المنطقة؛ فهي تستخدم موانئ مثل بورسعيد في مصر وبيرايوس في اليونان للوصول لأوروبا، وتعتمد على جيبوتي المحمية بقاعدتها العسكرية لتجارة القرن الإفريقي.

وعلى الجانب الآخر، فإن ما يضعف فرضية احتياج العالم الغربي لبورتسودان كمسار بديل، هو أن الولايات المتحدة والغرب يركز جهوده وتمويلاته على سحب موارد القارة من المعادن الحيوية عبر مسار المحيط الأطلسي مباشرة للابتعاد عن مناطق الخطر الملاحي. 

ويتمثل هذا الأمر في مشروع (ممر لوبيتو) الذي تدعمه واشنطن وأوربا عبر استراتيجية البوابة العالمية للاتحاد الأوروبي ومؤسسات التمويل الأمريكية، وقد حشدت تمويلات ضخمة قدرت بمليارات الدولارات في فترات قياسية لربط مناجم النحاس والكوبالت في زامبيا والكونغو الديمقراطية بموانئ أنغولا على المحيط الأطلسي، تاركة معضلات البحر الأحمر ومضائقه لتعقيدات التجارة الصينية، بل أن التعقيدات تفهم كونها جزء من استراتيجية أمريكية لمحاصرة سلاسل الامداد بالنسبة للصين. 

الخلاصة إن القول بأن بورتسودان يمثل فرصة ليكون (مركزا) لمسار بحري بديل عبر البحر الأبيض المتوسط نحو الصين أو العكس هو فكرة تحمل جزءا من الحقيقة كـ (خيار طوارئ جيوسياسي مؤقت)، لكنه يفتقر للجدوى الاقتصادية كـ (مسار تجاري مستدام) في الوقت الراهن، لا سيما والسودان يعيش واقع “اقتصاد الحرب” الذي يمنحه أولويات داخلية تسبق الطموحات الإقليمية.

رغم ذلك، فرصة السودان تظل باقية في هذا الملف، وهو تسويق موقعه الاستراتيجي وعبر منفذه البحري كـبوابة للوسط الإفريقي الحبيس، ولكي يتحقق ذلك، يحتاج السودان كأولوية قصوى إلى إحلال الاستقرار الداخلي وبناء اليقين الاستثماري لشركات الملاحة الاقليمية والدولية، تمهيدا لبناء شراكة وتطوير خطوط سكك حديدية ومناطق حرة تربط الميناء بالدول الحبيسة مستقبلا، وهو بالضبط ما يتسق حاليا مع خطط تطوير إدارة هيئة الموانئ البحرية في بورتسودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى